قوله تعالى : " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك " العامل في " إذ " مكروا ، أو فعل مضمر . وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى : " إني متوفيك ورافعك إلي " على التقديم والتأخير ؛ لأن الواو لا توجب الرتبة . والمعنى : إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء ؛ كقوله : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " {[3127]} [ طه : 129 ] ، والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما . قال الشاعر :
ألا يا نخلة من ذات عِرقٍ *** عليك ورحمة الله السلام
أي عليك السلام ورحمة الله . وقال الحسن وابن جريح : معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته . وقال وهب بن منبه : توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء . وهذا فيه بعد ، فإنه صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نزوله وقتله الدجال على ما بيناه في كتاب التذكرة ، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدم ، ويأتي . وقال ابن زيد : متوفيك قابضك ، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعد . وروى ابن طلحة عن ابن عباس معنى متوفيك مميتك . الربيع بن أنس : وهي وفاة نوم ، قال الله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " {[3128]} [ الأنعام : 60 ] أي ينيمكم لأن النوم أخو الموت ، كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل : أفي الجنة نوم ؟ قال : ( لا ، النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها ) . أخرجه الدارقطني . والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد ، وهو اختيار الطبري ، وهو الصحيح عن ابن عباس ، وقاله الضحاك . قال الضحاك : كانت القصة لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة ، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة . فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة ؟ فقال رجل : أنا يا نبي الله ، فألقى إليه مدرعة{[3129]} من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى ، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه . وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم : أما إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا . فقال عيسى : اجلس ، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا . فقال نعم أنت ذاك . فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام . قال : ورفع الله تعالى عيسى من رَوْزَنة{[3130]} كانت في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه ، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به ، فتفرقوا ثلاث فرق : قالت فرقة : كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء ، وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فقتلوا ، فأنزل الله تعالى : " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا " {[3131]} [ الصف : 14 ] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى " على عدوهم " بإظهار دينهم على دين الكفار " فأصبحوا ظاهرين " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القِلاص{[3132]} فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ) . وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء{[3133]} حاجا أو معتمرا أو ليَثنينَّهما ) ولا ينزل بشرع مبتدأ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجددا لما درس منها متبعها . كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ) . وفي رواية : ( فأمّكم منكم ) . قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم منكم ؟ . قلت : تخبرني . قال : فأَمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم . وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله . و " متوفيك " أصله متوفِّيُك حذفت الضمة استثقالا ، وهو خبر إن . " ورافعك " عطف عليه ، وكذا " مطهرك " وكذا " وجاعل الذين اتبعوك " . ويجوز
" وجاعل{[3134]} الذين " وهو الأصل . وقيل : إن الوقف التام عند قوله : " ومطهرك من الذين كفروا " . قال النحاس : وهو قول حسن .
" وجاعل الذين اتبعوك " يا محمد " فوق الذين كفروا " أي بالحجة وإقامة البرهان . وقيل بالعز والغلبة . وقال الضحاك ومحمد بن أبان : المراد الحواريون . والله تعالى أعلم .
فقال تعالى مخبراً عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف{[17390]} أنفه : { إذ } أي مكر حين{[17391]} { قال الله } أي بما له من{[17392]} التفرد بصفات الكمال { يا عيسى إني متوفيك } وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل{[17393]} الكفار ملزومة للموت حتف{[17394]} الأنف ، وأما قول الزمخشري : أي مستوفي أجلك ومعناه : إني{[17395]} عاصمك من أن يقتلك الكفار ، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ، ومميتك حتف{[17396]} أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة{[17397]} من القتل{[17398]} لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف{[17399]} الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب ، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها ؛ ويجوز أن{[17400]} يكون معنى متوفيك{[17401]} : آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم{[17402]} ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش{[17403]} مكرهم .
قال في القاموس : أوفى{[17404]} فلاناً حقه : أعطاه وافياً ، كوفّاه ووافاه فاستوفاه{[17405]} وتوفاه{[17406]} .
ثم زاد{[17407]} سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : { ورافعك } وزاد إعظام ذلك بقوله : { إليّ ومطهرك من الذين كفروا } .
ولما كان لذوي الهمم العوال{[17408]} ، أشد التفات{[17409]} إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم{[17410]} من الأحوال ، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره{[17411]} فقال : { وجاعل الذين اتبعوك } أي ولو بالاسم { فوق الذين كفروا } أي ستروا ما يعرفون{[17412]} من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت{[17413]} بها مطابقة{[17414]} لما عندهم من البشائر بك { إلى يوم القيامة } وكذا كان ، لم يزل من اتسم {[17415]}بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود ، ولا يزالون كذلك{[17416]} إلى{[17417]} أن يعدموا{[17418]} فلا يبقى منهم أحد .
ولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات{[17419]} إلى الخطاب فقال{[17420]} تكميلاً لما بشر به من النصرة : { ثم إليّ مرجعكم } أي المؤمن والكافر في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * } .