الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (64)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " قل يا أهل الكتاب " الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي لأهل نجران . وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما ليهود المدينة ، خوطبوا بذلك ؛ لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب . وقيل : هو لليهود والنصارى جميعا . وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل " بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام{[3138]} أسلم تسلم وأسلم{[3139]} يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين{[3140]} ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - إلى قوله : " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " " . لفظ مسلم .

والسواء : العدل والنصفة ، قاله قتادة . وقال زهير :

أروني خطة لا ضَيْمَ فيها *** يُسَوّي بيننا فيها السَّوَاءُ

الفراء : ويقال في معنى العدل سِوًى وسُوًى ، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت ، كقوله تعالى : " مكانا سوى " [ طه : 58 ] . قال : وفي قراءة عبد الله " إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " وقرأ قعنب{[3141]} " كِلْمة " بإسكان اللام ، ألقى حركة اللام على الكاف ، كما يقال كِبْد . فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه ، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق . وقد فسرها بقوله تعالى : " ألا نعبد إلا الله " [ آل عمران :64 ] فموضع " أن " خفض على البدل من " كلمة " ، أو رفع على إضمار مبتدأ ، التقدير هي أن لا نعبد إلا الله . أو تكون مفسرة لا موضع لها ، ويجوز مع ذلك في " نعبد " وما عطف عليه الرفع والجزم : فالجزم على أن تكون " أن " مفسرة بمعنى أي ، كما قال عز وجل : " أن امشوا " [ ص : 6 ] وتكون " لا " جازمة . هذا مذهب سيبويه . ويجوز على هذا أن ترفع " نعبد " وما بعده يكون خبرا . ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد ؛ ومثله " ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " {[3142]} [ طه : 89 ] . وقال الكسائي والفراء : " ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ " بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام أن .

الثانية : قوله تعالى : " ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله " أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى . وهو نظير قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " {[3143]} [ التوبة : 31 ] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله . وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي ، قال الكيا الطبري : مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة . وفيه رد على الروافض الذين يقولون : يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي ، وإنه يحل ما حرمه الله من غير أن يبين مستندا من الشريعة . وأرباب جمع رب . و " دون " هنا بمعنى غير .

الثالثة : قوله تعالى : " فإن تولوا " أي أعرضوا عما دعوا إليه . " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن والإنعام ، غير متخذين أحدا ربا لا عيسى ولا عزيزا ولا الملائكة ؛ لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا ، ولا نقبل من الرهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا ، فنكون قد اتخذناهم أربابا . وقال عكرمة : معنى " يتخذ " يسجد . وقد تقدم أن السجود كان إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما أراد أن يسجد ، كما مضى في البقرة{[3144]} بيانه . وروى أنس بن مالك قال : قلنا يا رسول الله ، أينحني بعضنا لبعض ؟ قال ( لا ) قلنا : أيعانق بعضنا بعضا ؟ قال ( لا ، ولكن تصافحوا ) أخرجه ابن ماجه في سننه . وسيأتي لهذا المعنى زيادة ببان في سورة " يوسف " {[3145]} إن{[3146]} شاء الله ، وفي " الواقعة " {[3147]} مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى .


[3138]:- زيادة عن صحيح مسلم.
[3139]:- زيادة عن صحيح مسلم.
[3140]:- الأريسيين: الأكارون والفلاحون والخدام والخول، كل ذلك وارد في معنى هذه الكلمة.
[3141]:- هو أبو السمال العدوي.
[3142]:- راجع جـ11 ص 236.
[3143]:- راجع جـ8 ص 119.
[3144]:- راجع جـ1 ص 293.
[3145]:- راجع جـ9 ص 265.
[3146]:- الزيادة من نسخ: ز، ب.
[3147]:- إيراد هذه الجملة هنا غير واضح المناسبة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ} (64)

ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد{[17782]} عليهم أنواع الحجج فانقطعوا ، فلم تبق{[17783]} لهم شبهة وقبلوا{[17784]} الصغار والجزية ، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة{[17785]} ولم يبق إلا إظهار النتيجة ، اقتضى ذلك عظم تشوفه{[17786]} صلى الله عليه وسلم إليها{[17787]} لعظم حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق{[17788]} ، فأمره{[17789]} بأن{[17790]} يذكرها مكرراً إرشادهم بطريق أخف مما{[17791]} مضى بأن يؤنسهم{[17792]} فيما يدعوهم{[17793]} إليه بالمؤاساة{[17794]} ، فيدعو دعاء يشمل{[17795]} المحاجين{[17796]} من النصارى وغيرهم ممن{[17797]} له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها{[17798]} ونهضت الدلائل على صدقها ، دعاء لا{[17799]} أعدل منه ، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم{[17800]} والاختصاص بأمر دونهم ، وذلك أنه{[17801]} بدأ بمباشرة ما دعاهم{[17802]} إليه ورضي لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى : { قل } ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام{[17803]} خاطبهم تلطفاً بهم بما يحبون فقال : { يا أهل الكتاب } إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم { تعالوا } أي{[17804]} ارفعوا{[17805]} أنفسكم من حضيض{[17806]} الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به { إلى كلمة } ثم وصفها بقوله : { سواء } أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه

{ بيننا وبينكم } ثم فسرها{[17807]} بقوله : { ألا نعبد إلا الله } أي لأنه الحائز لصفات الكمال ، وأكد ذلك بقوله : { ولا نشرك به شيئاً } أي لا نعتقد له شريكاً وإن لم نعبده .

ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة{[17808]} الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال : { ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً } أي{[17809]} كعزير{[17810]} والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون . ولما كان الرب قد يطلق على {[17811]}المعلم والمربي{[17812]} بنوع تربية نبه{[17813]} على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد ، والاجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال : { من دون الله } الذي اختص بالكمال .

ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسبباً عن ذلك مشيراً بالتعبير بأداة الشك{[17814]} إلى أن الإعراض{[17815]} عن هذا{[17816]} العدل لا يكاد يكون : { فإن تولوا } أي عن الإسلام له{[17817]} في التوحيد { فقولوا } أنتم تبعاً لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال :{ أسلمت لرب العالمين{[17818]} } [ البقرة : 131 ] {[17819]}وامتثالاً لوصيته{[17820]} إذ قال :{ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون{[17821]} {[17822]} }[ البقرة : 132 ] { اشهدوا بأنا } أي نحن { مسلمون * } أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره ، فيوشك أن يأمرنا نبيه{[17823]} صلى الله عليه وسلم بقتالكم لنصرته عليكم جرياً على عادة الرسل ، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون ، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه ، وأنتم تعرفون أيامه الماضية{[17824]} ووقائعه السالفة{[17825]} .


[17782]:زيد من ظ ومد.
[17783]:في ظ: فلم يبق.
[17784]:من ظ ومد، وفي الأصل: وقيل.
[17785]:من ظ، وفي الأصل ومد: المحاججة.
[17786]:في ظ: نشوقه وفي مد:نشوفه ـ كذا..
[17787]:سقط من مد.
[17788]:سقط من مد.
[17789]:من ظ ومد، وفي الأصل: فأمرها.
[17790]:في ظ: أن.
[17791]:في ظ: بما.
[17792]:في ظ: يومهم.
[17793]:من مد، وفي الأصل: يوعدهم، وفي ظ: يدعون.
[17794]:في ظ: المساواة.
[17795]:في مد: تشمل.
[17796]:من ظ، وفي الأصل ومد: المحاججين.
[17797]:في ظ: من.
[17798]:من مد وظ، وفي الأصل: حقيقتها.
[17799]:زيد من ظ ومد.
[17800]:سقط من ظ.
[17801]:في ظ: لأنه.
[17802]:من ظ ومد، وفي الأصل: دعا.
[17803]:قي ظ: الاقحام.
[17804]:سقط من ظ.
[17805]:من ظ،وفي الأصل ومد: ارفقوا.
[17806]:من مد ، وفي الأصل: خصيص، وفي ظ: وفي الأصل ومد: حصيص.
[17807]:في ظ: فسره.
[17808]:في ظ: النظرة.
[17809]:زيد من ظ ومد.
[17810]:في ظ : لعزيز.
[17811]:من ظ ومد، وفي الأصل: المربى والمعلم.
[17812]:من ظ ومد، وفي الأصل: المربى والمعلم.
[17813]:زيد من ومد.
[17814]:زيد منن مد وظ.
[17815]:في الأصول: الاغراض.
[17816]:في ظ: نداء.
[17817]:زيد من مد وظ.
[17818]:سورة 2 آية 131.
[17819]:من ظ ومد، وفي الأصل: وامنت لا لوهيته ـ كذا.
[17820]:من ظ ومد، وفي الأصل: وامنت لا لوهيته ـ كذا..
[17821]:سورة 2 آية 132.
[17822]:زيد من مد وظ.
[17823]:من ظ ومد، وفي الأصل: بنبيه.
[17824]:في ظ: ووقائعة السالفون.
[17825]:في ظ: ووقائعة السالفون.