الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا} (103)

فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " قضيتم " معناه فرغتم من صلاه الخوف وهذا يدل على أن القضاء يستعمل فيما قد فعل قي وقته ؛ ومنه قوله تعالى : " فإذا قضيتم مناسككم " [ البقرة : 200 ] وقد تقدم{[4898]} .

الثانية : قوله تعالى : " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ذهب الجمهور إلى أن هذا الذكر المأمور به . إنما هو إثر صلاة الخوف ؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان ، على أي حال كنتم " قياما وقعودا وعلى جنوبكم " وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال . ونظيره " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون{[4899]} " [ الأنفال : 45 ] . ويقال : " فإذا قضيتم الصلاة " بمعنى إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدواب ، أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام ، إذا كان خوفا أو مرضا ؛ كما قال تعالى في آية أخرى : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا{[4900]} " [ البقرة : 239 ] وقال قوم : هذه الآية نظيرة التي في " آل عمران{[4901]} " ، فروي أن عبدالله بن مسعود رأى الناس يضجون في المسجد فقال : ما هذه الضجة ؟ قالوا : أليس الله تعالى يقول " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " ؟ قال : إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا ، وإن لم تستطع{[4902]} فصل على جنبك . فالمراد نفس الصلاة ؛ لأن الصلاة ذكر الله تعالى ، وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة ؛ والقول الأول أظهر . والله أعلم .

الثالثة : قوله تعالى : " فإذا اطمأننتم " أي أمنتم . والطمأنينة سكون النفس من الخوف . " فأقيموا الصلاة " أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر ، وبكمال عددها في الحضر . " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " أي مؤقتة مفروضة . وقال زيد بن أسلم : " موقوتا " منجما ، أي تؤدونها في أنجمها ، والمعنى عند أهل اللغة : مفروض لوقت بعينه ، يقال : وقته فهو موقوت . ووقته فهو مؤقت . وهذا قول زيد بن أسلم بعينه . وقال : " كتابا " والمصدر مذكر ؛ فلهذا قال : " موقوتا " .


[4898]:راجع ج 6 ص 243.
[4899]:راجع ج 8 ص 23.
[4900]:راجع ج 3 ص 223.
[4901]:راجع ج 4 ص216.
[4902]:زيادة لازمة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا} (103)

ولما علمهم بما{[22530]} يفعلون في الصلاة حال الخوف ، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر ، فقال مشيراً إلى تعقيبه{[22531]} به : { فإذا قضيتم الصلاة } أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها { فاذكروا الله } أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى { قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } أي في كل حالة ، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن .

ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد{[22532]} ، وحارس من{[22533]} شياطين الإنس والجن ، ومسكن للقلوب{[22534]}

{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب{[22535]} }[ الرعد : 28 ] ؛ أشار{[22536]} إلى ذلك بالأمر بالصلاة{[22537]} حال الطمأنينة ، تنبيهاً على عظم قدرها{[22538]} ، وبياناً لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس ، لأنها مشتملة على مجامع الذكر

{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر{[22539]} }[ العنكبوت : 48 ] فقال : { فإذا اطمأننتم } أي عما كنتم فيه من الخوف { فأقيموا الصلاة } أي فافعلوها قائمة المعالم{[22540]} كلها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف ؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف{[22541]} والسعة والضيق سفراً أو حضراً بقوله : { إن الصلاة } مظهراً لما كان الأصل فيه الإضمار{[22542]} تنيبهاً على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده { كانت على المؤمنين كتاباً } {[22543]}أي هي - مع كونها فرضاً - جامعة على الله جمعاً لا يقارنها فيه غيره{[22544]} { موقوتاً * } أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة ، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان{[22545]} بما تسبب من الأرزاق . وللقلوب بما تجلب{[22546]} من المعارف والأنوار{[22547]} .


[22530]:في ظ: لا يمكنهم.
[22531]:من ظ ومد، وفي الأصل: مما.
[22532]:زيد من ظ ومد.
[22533]:في ظ: للعبيد.
[22534]:سقط من ظ.
[22535]:سورة 13 آية 28.
[22536]:في ظ: إشارة.
[22537]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالصلاح.
[22538]:في ظ: قدرتها.
[22539]:سورة 29 آية 48.
[22540]:في ظ: المعلم.
[22541]:سقط من ظ.
[22542]:في ظ: إلا إضمار.
[22543]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22544]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[22545]:في ظ: للإيذان.
[22546]:في ظ: تجلت.
[22547]:في ظ: الأقدار.