الأولى : قوله تعالى : " أينما تكونوا يدرككم الموت " شرط ومجازاة ، و " ما " زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا : " لولا أخرتنا إلى أجل قريب " أي إلى أن نموت بآجالنا ، وهو أشبه المنافقين كما ذكرنا ، لقولهم لما أصيب أهل أحد ، قالوا : " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا{[4635]} " [ آل عمران : 156 ] فرد الله عليهم " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه . وواحد البروج برج ، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم . قال طرفة يصف ناقة :
كأنها برج روميٍّ تكفّفها *** بانٍ بشيد{[4636]} وآجُرٍّ وأحجار
وقرأ طلحة بن سليمان " يدرككم " برفع الكاف على إضمار الفاء ، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله :
أراد فالله يشكرها . واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج ، فقال الأكثر وهو الأصح . إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية ؛ لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة ، فمثل الله لهم بها . وقال قتادة : في قصور محصنة . وقاله ابن جريج والجمهور ، ومنه قول عامر بن الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ وقال مجاهد : البروج القصور . ابن عباس : البروج الحصون والآطام والقلاع . ومعنى " مشيدة " مطولة ، قاله الزجاج والقتبي . عكرمة : المزينة{[4637]} بالشيد وهو الجص . قال قتادة : محصنة . والمشيد والمشيد سواء ، ومنه " وقصر مشيد{[4638]} " [ الحج : 45 ] والتشديد للتكثير . وقيل المشيد المطول ، والمشيد المطلي بالشيد . يقال : شاد البنيان وأشاد بذكره . وقال السدي : المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية . وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال ألا ترى إلى قوله تعالى : " والسماء ذات البروج{[4639]} " [ البروج : 1 ] و " جعل في السماء بروجا{[4640]} " [ الفرقان : 61 ] " ولقد جعلنا في السماء بروجا{[4641]} " [ الحجر : 16 ] . وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك . وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : " في بروج مشيدة " معناه في قصور من حديد . قال ابن عطية : وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ .
الثانية : هذه الآية ترد على القدرية في الآجال ، لقوله تعالى : " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد ، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به . وقالت المعتزلة : إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش . وقد تقدم الرد عليهم في " آل عمران{[4642]} " ويأتي فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين .
الثالثة : اتخاذ البلاد وبناؤها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس ، وهي سنة الله في عباده . وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول : التوكل ترك الأسباب ، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها ، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع . وقد قيل للأحنف : ما حكمة السور ؟ فقال : ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم{[4643]} فيحميه .
الرابعة : وإذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء ، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع ، وهي الكواكب العظام . وقيل للكواكب بروج لظهورها ، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع ، ومنه قوله : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى{[4644]} " [ الأحزاب : 33 ] وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدره{[4645]} فيها ، ورتب الأزمنة عليها ، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلما على القبلة ، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد غير ذلك من أحوال المعاش .
قوله تعالى : " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " أي إن يصب المنافقين خصب قالوا : هذا من عند الله . " وإن تصبهم سيئة " أي جدب ومحل قالوا : هذا من عندك ، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك . وقيل : الحسنة السلامة والأمن ، والسيئة الأمراض والخوف . وقيل : الحسنة الغنى ، والسيئة الفقر . وقيل : الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد . وقيل : الحسنة السراء ، والسيئة الضراء . هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل - ابن عباس وغيره - في الآية . وأنها نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عليهم قالوا : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه . قال ابن عباس : ومعنى " من عندك " أي بسوء تدبيرك . وقيل : " من عندك " بشؤمك ، كما ذكرنا ، أي بشؤمك الذي لحقنا ، قالوه على جهة التطير . قال الله تعالى : " قل كل من عند الله " أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله ، أي بقضاء الله وقدره . " فمال هؤلاء القوم " يعني المنافقين " لا يكادون يفقهون حديثا " أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله .
ولما زهدهم في دار المتاعب والأكدار{[22044]} على تقدير طول البقاء ، وكانوا كأنهم يرجون بترك القتال الخلود ، أو تأخير موت يسببه{[22045]} القتال ؛ نبههم على ما يتحققون من أن المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له و{[22046]}إن امتنع{[22047]} الإنسان منه في الحصون{[22048]} ، أو رمى نفسه في المتألف ، فقال تعالى - مبكتاً من قال ذلك ، مؤكداً بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير القتال ، مجيباً{[22049]} بحاق{[22050]} الجواب بعد ما أورد الجواب الأول{[22051]} على سبيل التنزل - : { أينما تكونوا } أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم { يدرككم الموت } أي فإنه طالب ، لا يفوته هارب { ولو كنتم في بروج } أي حصون برج داخل برج ، أو كل واحد {[22052]}منكم في برج .
ولما كان ذلك جمعاً ناسب التشديد المراد به الكثرة في { مشيّدة } أي مطولة ، كل واحد{[22053]} منها شاهق في الهواء منيع ، وهو مع ذلك مطلي بالشيد{[22054]} أي بالجص ، فلا خلل فيه أصلاً ، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان{[22055]} ، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضاً يقتضيه ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره .
ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله :
{ ربنا لم كتبت }[ النساء : 77 ] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين ، ويجوز أن يقال : إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالاً لهم {[22056]}مبكتاً به لمن{[22057]} توانى في أمره ، مؤذناً بالالتفات إلى الغيبة إعراضاً عن خطابهم ببعض غضب ، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال{[22058]} بالأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن الله فقال : { وإن } أي قالوا ذلك والحال أنه إن { تصبهم } أي{[22059]} بعض المدعوّين من الأمة ، وهم من كان في قلبه مرض { حسنة } أي شيء{[22060]} يعجبهم ، ويحسن{[22061]} وقعه عندهم {[22062]}من أي{[22063]} شيء كان { يقولوا هذه من عند الله } أي الذي له الأمر كله ، لا دخل لك فيها { وإن تصبهم سيئة } أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت { يقولوا هذه من عندك } أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيراً بك .
ولما كان هذا أمراً فادحاً ، وللفؤاد محرقاً وقادحاً ، سهل عليه بقوله : { قل كل } أي{[22064]} من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية { من عند الله } أي الذي له كل شيء ، ولا شيء لغيره ، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي الله تعالى عنه{[22065]} عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم{[22066]} - كما في السيرة - :
" بئس الميت أبو أمامة ليهود{[22067]} ومنافقي العرب ! يقولون : لو كان نبياً لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً{[22068]} " . ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك{[22069]} ، فاستحقوا الإنكار قال منكراً عليهم : { فما } وحقرهم بقوله : { لهؤلاء } وكأنه قال{[22070]} : { القوم } الذي هو دال على القيام والكفاية ، إما تهكماً بهم ، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان{[22071]} وضعف المكان { لا يكادون يفقهون } لا يقربون من أن يفهموا { حديثاً * } أي يلقي إليهم أصلاً فهما جيداً .