الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ} (1)

مقدمة السورة:

مكية في قول الجمهور ، ومدنية في قول الضحاك والكلبي ، وهي أربع آيات .

قوله تعالى : { لإيلاف قريش }

قيل : إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى . يقول : أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش ، أي لتأتلف ، أو لتتفق قريش ، أو لكي تأمن قريش فتؤلف رحلتيها . وممن عد السورتين واحدة أبي بن كعب ، ولا فصل بينهما في مصحفه . وقال سفيان بن عيينة : كان لنا إمام لا يفصل بينهما ، ويقرؤهما معا . وقال عمرو بن ميمون الأودي : صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقرأ في الأولى : { والتين والزيتون } [ التين : 1 ] وفي الثانية { ألم تر كيف }[ الفيل : 1 ] و{ لإيلاف قريش } [ قريش : 1 ] . وقال الفراء : هذه السورة متصلة بالسورة الأولى{[16430]} ؛ لأنه ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة ، ثم قال : { لإيلاف قريش } أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش . وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها ، فلا يُغار عليها ولا تُقرب في الجاهلية . يقولون : هم أهل بيت الله جل وعز ، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ، ويأخذ حجارتها ، فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه ، فأهلكهم الله عز وجل ، فذكرهم نعمته . أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش ، أي ليألفوا الخروج ولا يجتزأ عليهم ، وهو معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه . ذكره النحاس : حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرني عمرو بن علي قال : حدثني عامر بن إبراهيم - وكان ثقة من خيار الناس - قال : حدثني خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة ، قال : حدثني أبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { لإيلاف قريش } قال : نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف . قال : كانوا يشتون بمكة ، ويصيفون بالطائف . وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي وإن لم يكن الكلام تاما ، على ما نبينه أثناء السورة . وقيل : ليست بمتصلة ؛ لأن بين السورتين " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى ، وأن اللام متعلقة بقوله تعالى : { فليعبدوا } أي فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت ، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار{[16431]} . وكذا قال الخليل : ليست متصلة ، كأنه قال : أَلَّف الله قريشا إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت . وعمل ما بعد الفاء فيما قبلها ؛ لأنها زائدة غير عاطفة ، كقولك : زيدا فاضرب . وقيل : اللام في قوله تعالى : { لإيلاف قريش } لام التعجب ؛ أي اعجبوا لإيلاف قريش ، قاله الكسائي والأخفش . وقيل : بمعنى إلى . وقرأ ابن عامر : " لإلاف قريش " مهموزا مختلسا بلا ياء . وقرأ أبو جعفر والأعرج " ليلاف " بلا همز طلبا للخفة . الباقون " لإيلاف " بالياء مهموزا مشبعا ، من آلفت أولف إيلافا . قال الشاعر :

المُنْعِمِين إذا النجوم تغيرت *** والظاعنينَ لرحلةِ الإيلافِ

ويقال : ألفته إلفا وإلافا . وقرأ أبو جعفر أيضا : " لإلف قريش " وقد جمعهما من قال :

زعمتم أن إخوتَكُمْ قريشٌ{[16432]} *** لهم إِلْفٌ وليس لكم إِلاَفُ

قال الجوهري : وفلان قد ألف هذا الموضع ( بالكسر ) يألف إلفا ، وآلفه إياه غيره . ويقال أيضا : آلفت الموضع أولفه إيلافا . وكذلك : آلفت الموضع أولفه مؤالفة وإلافا ، فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة . وقرأ عكرمة " ليألف " بفتح اللام على الأمر ، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود . وفتح لام الأمر لغة حكاها ابن مجاهد وغيره . وكان عكرمة يعيب على من يقرأ " لإيلاف " . وقرأ بعض أهل مكة " إلاف قريش " ، استشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم :

فلا تتركَنْهُ ما حييتَ لمعظمٍ *** وكن رجلا ذا نجدة وعفاف

تذُودُ العِدَا عن عصبةٍ هاشمية *** إلافُهُمْ في الناس خيرُ إلاَفِ

وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر . فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه . وربما قالوا : قريشي ، وهو القياس ، قال الشاعر :

بكل قريشيِّ عليه مهابة{[16433]}

فإن أردت بقريش الحي صرفته ، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه ، قال الشاعر :

وكفى قُرَيْشَ المُعْضِلاَتِ وسادَها{[16434]}

والتقريش : الاكتساب ، وتقرشوا أي تجمعوا . وقد كانوا متفرقين في غير الحرم ، فجمعهم قصي ابن كلاب في الحرم ، حتى اتخذوه مسكنا . قال الشاعر :

أبونا قُصَيٌّ كان يُدْعَى مُجمِّعًا *** به جمَّعَ الله القبائل من فِهْرِ

وقد قيل :إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر . فكل من لم يلده فهر فليس بقرشي . والأول أصح وأثبت . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو{[16435]} أُمنا ، ولا ننتفي من أبينا " . وقال وائلة بن الأسقع : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " . صحيح ثابت ، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما . واختلف في تسميتهم قريشا على أقوال : أحدهما : لتجمعهم بعد التفرق ، والتقرش : التجمع والالتئام . قال أبو جلدة اليشكري{[16436]} :

إخوة قَرَّشُوا الذنوبَ علينا *** في حديثٍ من دهرهم وقديم

الثاني : لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم . والتقرش : التكسب . وقد قرش يقرش قرشا : إذا كسب وجمع . قال الفراء : وبه سميت قريش . الثالث : لأنهم كانوا يفتشون الحاج{[16437]} من ذي الخلة ، فيسدون خلته . والقرش : التفتيش . قال الشاعر :

أيها الشامتُ المقرش عنا *** عند عمرو فهل له إبقاء{[16438]}

الرابع : ما روي أن معاوية سأل ابن عباس : لم سميت قريش قريشا ؟ فقال : لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها : القرش ، تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تُعلى . وأنشد قول تبع :

وقريشٌ هي التي تسكن البح*** ر بها سميت قريش قريشا

تأكل الرث والسمين ولا تت*** رك فيها لذي جناحين ريشا

هكذا في البلاد حيّ قريش *** يأكلون البلاد أكلا كميشا{[16439]}

ولهم آخرَ الزمان نَبِيٌّ *** يكثر القتل فيهم والخُمُوشَا{[16440]}


[16430]:الذي في كتاب الفراء: "قال بعضهم كانت موصولة ب"بألم تر كيف فعل ربك" الخ.
[16431]:أي لجلب الطعام.
[16432]:كذا في نسخ الأصل بالرفع على الخبر. وفي اللسان وشرح القاموس: "قريشا" بالنصب على البدل.
[16433]:تمامه: *سريع إلى داعي الندى والتكرم *
[16434]:هذا عجز بيت لعدي بن الرقاع يمدح الوليد بن عبد الملك. وصدره كما في اللسان: * غلب المساميح الوليد سماحة *
[16435]:قفا فلان فلانا: إذا قذفه بما ليس فيه، أي لا نتهمها ولا نقذفها، وقيل: معناه لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب إلى الأمهات.
[16436]:ضبطه في التاج بكسر الجيم.
[16437]:الحاج: جماعة الحجاج. والخلة (بالفتح) : الحاجة والفقر.
[16438]:البيت للحارث بن حلزة اليشكري في معلقته. وروايته كما في شرح المعلقات: أيها الناطق المرقش عنا * عند عمرو وهل لذاك بقاء قال التبريزي: "المرقش: المزين القول بالباطل، ليقبل منه الملك باطله. ويقال إنه يخاطب بها عمرو بن كلثوم. ومعنى "وهل لذاك بقاء": "إن الباطل لا يبقى". وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه.
[16439]:أي سريعا.
[16440]:الخموش: (جمع الخمش)، وهو مثل الخدش، يكون في البدن والوجه.