لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ} (32)

قوله جل ذكره : { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } .

إذا تلاطمت عليهم أمواجُ بحار التقدير تمنوا أن تلفظَهم تلك البحارُ إلى سواحل السلامة ، فإذا جاد الحقُّ بتحقيق مُناهم عادوا إلى رأس خطاياهم :

وكم قد جهلتم ثم عُدْنَا بِحِلْمنا *** أحباءَنا : كم تجهلون ونَحْلُمُ !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ} (32)

قوله : { وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الموج أعم من الموجة . وجمع موج ، أمواج . ماج البحر ويموج إذا اشتد هياجه واضطرابه . وماج الناس إذا اختلفت أمورهم واضطربت{[3665]} .

والمراد بالظلل ، الجبال . وذلك وصف لحال العباد إذا ركبوا الفلك فهاج بهم البحر ، وتعاظمت من حولهم الأمواج الهادرة ، فغشيهم الفزع والإياس حينئذ يجأرون إلى الله بالدعاء . وهو قوله : { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي دعوا ربهم وحده موقنين أنه الملاذ لخلاصهم واستنقاذهم من الهلاك دون غيره من الشركاء والأنداد . لكن نشأتهم الضالة وشدة جنوحهم للتقليد الأعمى والتعصب المذموم قد طغى عليهم وأنساهم ذكر ربهم ؛ فهم إذا انكشفت عنهم الكروب ، وانجلت الشدائد والأهوال عاودوا الإشراك والعصيان ، وهو قوله : { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ } المقتصد ، الموفي بما عاهد عليه الله وهو في البحر ، أي أوفى في البر بما عاهد عليه الله وهو في البحر . وقيل : المقتصد ، معناه المتوسط في العمل ، وهو بعد أن عاين الآيات الظاهرة وهو في البحر كان ينبغي أن يقابل ذلك ببالغ الطاعة والشكران لله ، وأن يبادر العبادة والخشوع .

قوله : { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } الختار ، معناه الغدار ، من الختر وهو الغدر والخديعة ، أو أقبح الغدر وأسوأه{[3666]} أي : لا ينكر الآيات الواضحات والدلائل المستبينات الناطقة بقدرة الله وعظيم سلطانه إلا كل خوّان شديد الغدر ، { كَفُورٍ } . أي جحود للنعمة ، سريع الكفران لما منّ الله به عليه من الاستنقاد والتنجية والخلاص . وذلك دأب الجاحد الغادر الذي يتناسى فضل الله عليه وما منّ به عليه من بالغ النعم فيتولى مدبرا منكرا سادرا في عصيانه وجحوده .


[3665]:المصباح المنير ج 2 ص 252.
[3666]:القاموس المحيط ص 489.