نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ} (32)

ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية{[54261]} العظمية ، وإلباسهم هذه النعمة الجسيمة ، التي عرفتهم ما تضمنته{[54262]} الآية السالفة من حقيته{[54263]} وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم ، أعرض عنهم وجه{[54264]} الخطاب لأنهم لم يرجعوا بعد الوضوح إيذاناً باستحقاق شديد الغضب والعذاب ، فقال معجباً {[54265]}عاطفاً على ما تقديره : وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من الآيات في حال{[54266]} رخائهم : { وإذا غشيهم } أي علاهم وهم فيها حتى صار كالمغطى لهم ، لأنه منعهم من أن تمتد{[54267]} أبصارهم كما كانت { موج } أي هذا الجنس{[54268]} ، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإتيانه شيئاً في أثر شيء متتابعاً {[54269]}يركب بعضه{[54270]} كأنه شيء واحد ، وأصله من الحركة والازدحام { كالظلل } أي{[54271]} حتى كان كأطراف الجبال المظلمة{[54272]} لمن يكون إلى جانبها ، وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الإسم الأعظم فقال{[54273]} : { دعوا الله } أي{[54274]} مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله ، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه { مخلصين له الدين } لا يدعون شيئاً سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال ، وقسرهم عليه من العظمة والكمال ، {[54275]}واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب .

ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم : إنهم أقروا بشيء هم له منكرون{[54276]} لأجل الخوف خوف السبة{[54277]} بذلك والعار{[54278]} حتى قال من قال : لولا أن يقال{[54279]} إني ما أسلمت إلا جزعاً من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت . بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك ، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء ، لما فيه مع{[54280]} ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع ، فقال دالاً بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم : { فلما نجّاهم } أي خلصهم رافعاً لهم ، تنجية لهم{[54281]} عظيمة بالتدريج من تلك الأهوال { إلى البر } نزلوا{[54282]} عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين ، وتنكبوا سبيل المفسدين {[54283]}وانقسموا قسمين{[54284]} { فمنهم } أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر{[54285]} والنجاة منهم أنه كان منهم { مقتصد } متكلف للتوسط{[54286]} والميل للإقامة{[54287]} على الطريق المستقيم ، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار ، وهم قليل - بما{[54288]} دل عليه التصريح بالتبعيض ، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياء في التصريح بذلك ، وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه و{[54289]} دل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض ، وما يقتصد إلا كل صبار شكور ، إما حالاً وإما مآلاً { وما يجحد } {[54290]}وخوّف الجاحد بمظهر{[54291]} العظمة التي من شأنها الانتقام ، فقال صارفاً القول{[54292]} إليه : { بآياتنا } أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها { إلا كل ختار } أي شديد الغدر عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف { كفور * } أي عظيم الكفر لإحسان من هو متقلب في نعمه ، في سره وعلنه ، وحركاته وسكناته ، ولا نعمة إلا وهي منه ، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين ، وعلم أنهما{[54293]} طباق {[54294]}ومقابلة{[54295]} لختام التي قبلها ، وأن الآية من الاحتباك : دل ذكر المقتصد أولاً على " ومنهم جاحد " ثانياً ، وحصر الجحود{[54296]} في الكفور ثانياً على حصر الاقتصاد في الشكور أولاً ، قال البغوي{[54297]} : قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين{[54298]} هرب رضي الله عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني : فقال الركاب على عادتهم : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئاً - فقال عكرمة رضي الله عنه : لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح ، فرجع عكرمة رضي الله عنه إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه ، وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر ، وقال الكلبي : مقتصد في القول{[54299]} أي من الكفار ، لأن بعضهم كان أشد قولاً وأعلى في الافتراء من بعض .


[54261]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: الإياب.
[54262]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: تضمنتهم.
[54263]:من م ومد، وفي الأصل وظ: حقيقته.
[54264]:في ظ: بوجه.
[54265]:العبارة من هنا إلى "رخائهم" ساقطة من م.
[54266]:زيد من ظ ومد.
[54267]:في ظ: تميل.
[54268]:سقط من ظ.
[54269]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54270]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54271]:زيد من م ومد.
[54272]:في م: كالمظلة.
[54273]:زيد من ظ ومد.
[54274]:زيد من ظ ومد.
[54275]:العبارة من هنا إلى "كل مذهب" ساقطة من م.
[54276]:في ظ: ينكرون.
[54277]:من م ومد، وفي الأصل وظ: الشبه.
[54278]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: المعاد.
[54279]:زيد في ظ: قولا.
[54280]:في ظ: من.
[54281]:سقط من ظ.
[54282]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: تولوا.
[54283]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54284]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54285]:زيد في ظ: التوحيد إليه.
[54286]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: للوسط.
[54287]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: إلى الإقامة.
[54288]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: مما.
[54289]:زيد من ظ وم ومد.
[54290]:العبارة من هنا إلى "القول إليه" ساقطة من م.
[54291]:من ظ ومد، وفي الأصل: لنظهر.
[54292]:من ظ ومد، وفي الأصل: العظمة.
[54293]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: إنها.
[54294]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54295]:سقط ما بين الرقمين من م.
[54296]:في ظ وم ومد: الجحد.
[54297]:راجع المعالم بهامش اللباب 5/183.
[54298]:ليس في المعالم.
[54299]:زيد من المعالم.