تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ} (32)

الآية 32 وقوله تعالى : { وإذا غشيهم موج كالظلل } قال بعضهم : { كالظلل } هو سواد من كثرة الماء ومعظمه . وقيل : يصير الموج كالظلة فوق السفينة : { دعوا الله مخلصين له الدين } .

وجائز أن تكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق كناية عن حيرتهم في الدين كقوله : { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها } [ النور : 40 ] .

وهو على التمثيل لا على التحقيق ؛ يخبر عن حيرتهم في الدين وتيههم فيه . فعلى ذلك الأول .

ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر كانوا يخلصون الدعاء لله والدين له عندما [ اشتد بهم الخوف على الهلاك ]( {[16309]} ) عند معاينتهم الأهوال [ والشدائد في ]( {[16310]} ) البحار ، لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدين في الأحوال كلها . فهي فيهم .

وقوله تعالى : { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } أي حسن القول بلسانه ، كافر بقلبه . وقال بعضهم : { فمنهم مقتصد } أي عدل أي بقي على الإيمان والإخلاص الذي كان منه في تلك الأهوال ، لم يعد إلى الكفر . وقال بعضهم : { فمنهم مقتصد } [ وسط ، والوسط ]( {[16311]} ) العدل ، وهو ما ذكرنا ، والله أعلم .

وقوله تعالى : { وما يجحد بآياتنا إلا كل ختّار كفور } قيل : الختّار الغدّار . وقال بعضهم : الختّار هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته .

وقوله تعالى : { وأن الله هو العلي الكبير } [ لقمان : 30 ] العلو يتجه وجهين :

أحدهما : العلو القهر والغلبة كقوله : { إن فرعون علا في الأرض } [ القصص : 4 ] أي غلب ، وقهر ، وقوله : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } [ القصص : 83 ] فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله : { العلي } القاهر( {[16312]} ) الغالب .

والثاني : أن يكون العلو الارتفاع . فإن كان الارتفاع فهو يرتفع ، ويتعالى عن أن يحتمل [ ما يحتمل ]( {[16313]} ) الخلق من التغيير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق { العلي } ارتفع ، وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق .

و{ الكبير } أي تكبر عن أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق ، والله أعلم .


[16309]:من م، ساقطة من الأصل.
[16310]:فمن م، في الأصل: والله أعلم.
[16311]:في الأصل وم: الوسط.
[16312]:أدرج قبلها في الأصل وم: أي.
[16313]:ساقطة من م.