لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

" بسم الله " اسم عزيز رداؤه كبرياؤه ، وسناؤه علاؤه ، وعلاؤه بهاؤه ، وجلاله جماله ، وجماله جلاله . الوجود له غير مستفتح ، والموجود منه غير مستقبح . المعهود منه لطفه ، المأمول منه لطفه . . . كيفما قسم للعبد فالعبد عبده ؛ إن أقصاه فالحكم حكمه ، وإن أدناه فالأمر أمره .

قوله جلّ ذكره : { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } .

{ وَيْلٌ } : الويلُ كلمةٌ تُذْكَر عند وقوع البلاء ، فيقال : ويلٌ لك ، وويلٌ عليك ! و " المطفّف " ، الذي يُنْقِصُ الكيْلَ والوزنَ ، وأراد بهذا الذين يعامِلون الناس فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا ، وإذا دفعوا إِلى من يعاملهم نقصوا ، ويتجلَّى ذلك في : الوزن والكيْلِ ، وفي إظهار العيب ، وفي القضاء والأداء والاقتضاءْ ؛ فَمَنْ لم يَرْضَ لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه فليس بمنصف . وأمَّا الصِّدِّيقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين فإنهم ينظرون لكلِّ مَنْ لهم معهم معاملة - والصدقُ عزيزٌ ، وكذلك أحوالهم في الصُّحْبَةِ والمعاشرة . . . فالذي يرى عَيْبَ الناسِ ولا يرى عيبَ نَفْسِه فهو من هذه الجملة - جملة المطففين - كما قيل :

وتُبْصِرُ في العينِ منِّي القَذَى *** وفي عينِكَ الجذْعَ لا تُبْصِرُ

ومَنْ اقتضى حقَّ نَفْسه - دون أن يَقْضِيَ حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه - فهو من جملة المطففين .

والفتى مَنْ يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحدٍ لنفسه حقّاً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مدنية . وقيل : مكية . وآياتها ست وثلاثون . وهي مبدوءة بالتنديد بالمطففين الذي يخسرون الميزان . فإذا كالوا الناس نقصوهم حقهم . وإذا اكتالوا منهم أخذوا حقهم وافيا أو زائد وفي السورة تنديد كذلك بالمجرمين المكذبين الذين كانوا يستهزءون بالمؤمنين . فإذا مر بهم المؤمنون تغامزوا بهم ساخرين متهكمين إلى غير ذلك من المعاني والعبر .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ ويل للمطفّفين 1 الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون 2 وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون 3 ألا يظن أولئك انهم مبعوثون 4 ليوم عظيم 5 يوم يقوم الناس لرب العالمين } .

روي عن ابن عباس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى : { ويل للمطففين } فأحسنوا الكيل بعد ذلك .

وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية{[4777]} والتطفيف من الطفيف وهو القليل والغير التام وطفّ المكوك والإناء وطفافه ما ملأ أصباره أو ما بقي فيه بعد مسح رأسه وطفّف نقص المكيال {[4778]} والمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن . وقد سمي بذلك ، لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف . والتطفيف معناه نقص المكيال وهو ألا تملأه إلى أصباره ، أي جوانبه . وقد ندّد الله بالمطففين أشد تنديد وتوعدهم بالويل وهو الخسار والهلاك . وهو قوله : { ويل للمطففين } ثم فسّر ذلك بقوله : { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } .


[4777]:أسباب النزول للنيسابوري ص 298.
[4778]:القاموس المحيط جـ 3 ص 174.