لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (16)

مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعَ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه . والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله ، وتَرْكُ الركونِ إلى غير الله ، والتباعدُ عن مساكَنَةِ أعداءِ الله . . ثِقةً بالله ، واكتفاءً بالله ، وتبرِّياً من غير الله .

وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً فالمعنى فيه : ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين .

وأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدى عدوِّه ، وفي هذا المعنى قال قائلهم :

كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ *** ولم أدرِ أَنِّي بعد مَوْتِيَ أكتب

ويقال : إن أبا يزيد - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته : كيف أطلبك ؟ فقال له : فَارِقْ نَفْسَكَ .

ويقال إن ذلك لا يتمُّ ، بل لا تحصل منه شظيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماعِ والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ . والحريةُ عزيزةٌ . . . قال قائلهم :

أتمنى على الزمانِ مُحَالاً *** أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (16)

قوله تعالى : { أم حسبتم } ، أظننتم .

قوله تعالى : { أن تتركوا } ، قيل : هذا خطاب للمنافقين . وقيل : للمؤمنين الذين شق عليهم القتال . فقال : { أم حسبتم أن تتركوا } فلا تؤمروا بالجهاد ، ولا تمتحنوا ، ليظهر الصادق من الكاذب .

قوله تعالى : { ولما يعلم الله } ، ولم ير الله .

قوله تعالى : { الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجةً } ، بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم . وقال قتادة : وليجة خيانة . وقال الضحاك : خديعة . وقال عطاء : أولياء . وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة . الرجل من يختص بدخيلة أمره دون الناس ، الرجل : من يختص بدخيلة أمره دون الناس ، يقال : هو وليجتي ، وهم وليجتي ، للواحد والجمع .

قوله تعالى : { والله خبير بما تعملون } .