قال : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } ولم يقل : " قلبك " لأن قلبه كان مع الحقِّ ، فأمره بصحته جَهْرَاً بجهر ، واستخلص قلبه لنفسه سِرَّاً بِسرِّ .
ويقال { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال ، وذلك يشير إلى دوام دُعائِهم ربهم بالغداة والعشيّ وكون الإرادة على الدوام .
ويقال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : فآويناهم في دنياهم بعظائمنا ، وفي عقباهم بكرائمنا .
ويقال : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } : فكشف قناعَهم ، وأظهر صفَتهم ، وشَهَرَهم بعدما كان قد سَتَرَهم ، وأنشدوا :
وكشفنا لكَ القناعَ وقلنا *** نعم وهتكنا لك المستورا
ويقال لما زالت التُّهمُ سَلِمَتْ لهم هذه الإرادة ، وتحرروا عن إرادةِ كلِّ مخلوقٍ وعن محبةِ كل مخلوق .
ويقال لمَّا تقاصَرَ لسانُهمِ عن سؤال هذه الجملة مراعاةً منهم لهيبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحُرْمَةِ باب الحقِّ - سبحانه - أمَرَه بقوله : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } وبقوله :
{ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا } .
أي لا ترفع بصَرَك عنهم ، ولا تُقلِعْ عنهم نظرك .
ويقال لما نظروا بقلوبِهم إلى الله أَمَرَ رسولَه - عليه السلام - بألا يرفعَ بَصَرَه عنهم ، وهذا جزاء في العاجل .
والإشارة فيه كأنه قال : جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعةً لهم إلينا ، وخَلَفَاً عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا ، فلا تَقْطَعْ اليومَ عنهم نَظَرَكَ فإنا لا نمنع غداً نظرهم عنَّا .
قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } .
هم الذين سألوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يُخْلِيَ لهم مجلسَه من الفقراء ، وأن يطردهَم يوم حضورهم من مجلسه - صلى الله عليه وسلم وعلى آله .
ومعنى قوله : { أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } : أي شغلناهم بما لا يعنيهم .
ويقال : { أَغْفَلَنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } أي شغلناهم حتى اشتغلوا بالنعمة عن شهود المِنْعِم .
ويقال هم الذين طوَّح قلوبَهم في التفرقة ، فهم في الخواطر الرَّدِيّة مُثْبَتُون ، وعن شهود مولاهم محجوبون .
ويقال أغفلنا عن ذكرنا الذين ابْتُلُوا بنسيان الحقيقة لا يتأسَّفُون على ما مُنُوا به ولا على ما فَاتَهُم .
ويقال الغفلةُ تزجيةُ الوقتِ في غيرِ قضاءِ فَرْضٍ أو أداء نَفْلٍ .
{ يريدون وجهه } : أي طاعته ورضاه ، لا عرضاً من عرض الدنيا .
{ ولا تعد عيناك عنهم } : أي لا تتجاوزهم بنظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا .
{ تريد زينة الحياة الدنيا } : أي بمجالستك الأغنياء تريد الشرف والفخر .
{ من أغفلنا قبله } : أي جعلناه غافلاً عما يجب عليه من ذكرنا وعبادتنا .
{ وكان أمره فرطاً } : أي ضياعاً وهلاكاً .
وقوله تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الغداة والعشي يريدون وجهه } نزل هذا التوجيه للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عرض عليه المشركون إبعاد أصحابه الفقراء كبلال وصهيب وغيرهما ليجلسوا إليه ويسمعوا منه فنهاه ربه عن ذلك وأمره أن يحبس نفسه مع أولئك الفقراء المؤمنين { الذين يدعون } ربهم في صلاتهم في الصباح والمساء لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم عرضاً من أعراض الدنيا وإنما يريدون رضا الله ومحبته بطاعته في ليلهم ونهارهم .
وقوله تعالى : { ولا تعد عيناك عنهم } أي لا تتجاوز ببصرك هؤلاء المؤمنين الفقراء إلى أولئك الأغنياء تريد مجالستهم للشرف والفخر وقوله { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } فجعلناه غافلاً عن ذكرنا وذكر وعدنا ووعيدنا ليكون من الهالكين لعناده وكبريائه ظلمه .
{ وكان أمره فرطاً } أي ضياعاً وهلاكاً ، وقوله تعالى في الآية الثالثة من هذا السياق { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } أي هذا الذي جئت به وأدعوا إليه من الإيمان والتوحيد والطاعة لله بالعمل الصالح هو ( الحق من ربكم ) أيها الناس . { فمن شاء } الله هدايته فآمن وعمل صالحاً فقد نجاه ومن لم يشأ الله هدايته فبقي على كفره فلم يؤمن فقد خاب وخسر .
- الترغيب في مجالسة أبناء الآخرة وهم الفقراء الصابرون وترك أبناء الدنيا والإعراض عما هم فيه .
- على الداعي إلى الله تعالى أن يبين الحق ، والناس بعد بحسب ما كتب لهم أو عليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.