مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعَ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه . والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله ، وتَرْكُ الركونِ إلى غير الله ، والتباعدُ عن مساكَنَةِ أعداءِ الله . . ثِقةً بالله ، واكتفاءً بالله ، وتبرِّياً من غير الله .
وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً فالمعنى فيه : ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين .
وأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدى عدوِّه ، وفي هذا المعنى قال قائلهم :
كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ *** ولم أدرِ أَنِّي بعد مَوْتِيَ أكتب
ويقال : إن أبا يزيد - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته : كيف أطلبك ؟ فقال له : فَارِقْ نَفْسَكَ .
ويقال إن ذلك لا يتمُّ ، بل لا تحصل منه شظيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماعِ والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ . والحريةُ عزيزةٌ . . . قال قائلهم :
أتمنى على الزمانِ مُحَالاً *** أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
{ أن تتركوا } : أي بدون امتحان ، بالتكاليف كالجهاد .
{ وليجة } : أي دخيلة وهي الرجل يدخل في القوم وهو ليس منهم ويطلعونه على أسرارهم وبواطن أمورهم .
وقوله تعالى في الآية ( 16 ) الأخيرة { أم حسبتم أن تتركوا } أي بدون امتحان . وأنتم خليط منكم المؤمن الصادق ومنكم المنافق الكاذب ، من جملة ما كان يوحى به المنافقون التثبيط عن القتال بحجة أن مكة فتحت وأن الإِسلام عز فما هناك حاجة إلى مطاردة فلول المشركين ، وهم يعلمون أن تكتلات يقودها الساخطون على الإِسلام حتى من رجالات قريش يريدون الانقضاض على المسلمين وإهدار كل نصر تحقق لهم ، وهذا المعنى ظاهر من سياق الآية { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } إذ هناك من اتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة يطلعونها على أمور المسلمين ، ويسترون عليهم وهي بينهم دخيلة ، ويقرر هذه الجملة التي ختمت بها الآية وهي قوله تعالى { والله خبير بما تعملون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.