ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه - بغير اختياره ولا بِكَسْبِه- كان مرفوعاً لأنه لا يدخل تحت التكليف ، فلم يكن " الهمُّ " منه ولا منها زَلَّةً ، وإنما الزًّلَّةُ من المرأة كانت من حيث عَزَمَتْ على ما هَمَّتْ ، فأمّا نفسُ الهمّ فليس مما يَكْسِبُه العبد .
ويقال اشتركا في الهمِّ وأُفْرِد- يوسف عليه السلام- بإشهاده البرهان .
وفي تعيين ذلك البرهان- ما الذي كان ؟ - تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذا لا سبيل إليه إلا بالخَبَرِ المقطوع به .
وفي الجملة كان البرهانُ تعريفاً من الحقِّ إياه بآية من آيات صُنْعِه ، قال تعالى :
{ سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى الأَفَاقِ وفِى أَنفُسِهِم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ } [ فصلت :53 ] .
وقوله : { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ } صَرَفَ عنه السُّوءَ حتى لم يوجَد منه العزمُ على ذلك الفعل - وإنْ كان منه همٌ - إلا أن ذلك لم يكن جُرْماً كما ذكرنا .
والصَّرْفُ عن الطريق بعد حصول الهمِّ - كشفٌ ، والسوءُ المصروفُ عنه هو العزمُ على الزنا والفحشاء أو نفْسُ الزنا ، وقد صرفها الله تعالى عنه .
قوله : { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ } : لم تكن نجاتُه في خلاصه ، ولكن في صرفِ السوء عنه واستخلاصه .
{ ولقد همت به وهم بها . . } الهم : المقاربة من الفعل من غير دخول فيه . ولا خلاف في أن همها كان بالمعصية ، وكان عزما وجزما ، ولا في أن يوسف عليه السلام لم يأت بفاحشة ، وأن الله برأه منها وأنطق المرأة ببراءته ، وأن همه عليه السلام كان مجرد خاطرة قلب بمقتضى الطبيعة البشرية ، من غير جزم وعزم . و ذلك لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوة ، كالصائم يرى الماء البارد في اليوم الحار فتميل نفسه إليه ، ولكن يمنعه منه دينه فلا يؤاخذ بهذا الليل ، وقوله تعالى : { لولا أن رأى برهان ربه } أي لولا مشاهدته البرهان الإلهي على شناعة المعصية لجرى على موجب ميله الجبلي ، لكنه لمشاهدته البرهان استمر على ما هو عليه من الطهارة وإياه المعصية . ولذا قيل : الهم همان :
هم ثابت ، وهو كان معه عزم وعقد ورضا ، مثل امرأة العزيز . وهم عارض ، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم ، مثل هم يوسف وقد عصمه الله وصرف عنه السوء
والفحشاء ، كيف وهو من عباد الله المخلصين ؟ . وقيل : إنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه بالقوة
و كاد ، لولا أن أراه الله أنه لو فعل ذلك لفعلت معه ما يوجب هلاكه ، فكان في الامتناع عنه صون نفسه من الهلاك ، فربما تعلقت به فتمزق ثوبه من قدام ، وكان في علم الله أن الشاهد يشهد بأن تمزيقه من الأمام دليل جنايته ، وتمزيقه من الخلف دليل جنايتها وبراءته ، فلا جرم لا يشتغل بدفعها بالقوة وفر عنها هاربا ، حتى صارت الشهادة حجة له على براءته . فلم يقع منه هم بالفاحشة ، وإنما وقع منه الهم بدفع امرأة العزيز عن نفسه ، ولم يحصل الدفع لرؤيته برهان ربه . وفي البحر : أنه لم يقع منه هم البتة ، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ، وهو نظير قولك : قارفت الذنب لولا عصمك الله . وجواب { لولا } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي لولا أن رأى البرهان لهم بها ، أي أن الهم كان يوجد لو لم ير برهان ربه ، لكنه رآه فانتفى الهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.