لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (35)

أسْكَنَه الجنةَ ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة ، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولاً ، وبالخضرة يبساً ، وبالوجود فقداً ، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه - ويقع منه ما يقع .

ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدَّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم .

ولا مكانَ أفضل من الجنة ، ولا بَشَرَ أكيس من آدم ، ولا ناصح يقابل قوله إشارة الحق عليه ، ولا غريبة ( منه ) قبل ارتكابه ما ارتكب ، ولا عزيمة أشد من عزيمته - ولكنَّ القدرةَ لا تُكابَرَ ، والحُكْمَ لا يُعَارض .

ويقال لما قال له : { اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً } كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخَلْق السكون إلى الخَلْق ، والقيام باستجلاب الحظ ، وآدم عليه السلام وَحْدَه كان بكل خير وكل عافية ، فلمَّا جاء الشكلُ والزوجُ ظهرت أنياب الفتنة ، وانفتح باب المحنة ؛ فحين سَاكَنَ حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل ، فوقع فيما وقع ، ولقد قيل :

داءٌ قديمٌ في بني آدم *** صبوةُ إنسان بإنسان

فصل : وكلُّ ما منِع منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه .

فهذا آدم عليه السلام أبيحت له الجنة بجملتها ونُهِيَ عن شجرة واحدة ، فليس في المنقول أنه مدَّ يده إلى شيء من جملة ما أبيح ، وكان عِيلَ صبره حتى واقع ما نُهِيَ عنه - هكذا صفة الخَلْق .

فصل : وإنما نبَّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً } فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة ؟

ويقال أصبح آدم عليه السلام محمود الملائكة ، مسجود الكافة ، على رأسه تاج الوصلة ، وعلى وسطه نطاق القُرَبة ، وفي جيده ( . . . ) الزلفة ، لا أحد فوقه في الرتبة ، ولا شخص مثله في الرفعة ، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم . فلم يُمْسِ حتى نُزِعَ عنه لباسهُ ، وسُلِبَ استئناسه ، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخْرج بغير مُكْثٍ :

وأَمِنْتُهُ فأتاح لي من مَأْمني *** مكراً ، كذا من يأمن الأحبابا

ولمّا تاه آدم عليه السلام في مِشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب ، وكان كما قيل :

لله دَرُّهُمُ من فِتْيةٍ بَكَرُوا *** مثلَ الملوكِ وراحوا كالمساكين

فصل : نهاه عن قرب الشجرة بأمره ، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره ، ولبَّس عليه ما أخفاه فيه من سِرِّه .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (35)

{ وَزَوْجُكَ } تقول العرب للمرأة : زوج ، ولا تكاد تقول زوجة .

{ الْجَنَّةَ } جمهور أهل السنة على أنها جنة المأوى ، وهي دار الثواب والخلود للمؤمنين في الآخرة . وذهب آخرون منهم أبو مسلم الأصفهاني : إلى أنها بستان في الأرض خلقه الله امتحانا لآدم وزوجه . وساق أدلة الفريقين الإمام ابن القيم ولم يرجح شيئا منها . والأحوط الأسلم : الكف عن تعيينها وعن القطع به ، وإليه مال أبو حنيفة وأبو منصور الماتريدي في التأويلات

{ رَغَداً } أي أكلاً كثيرا واسعا بلا عناء ، يقال : رغد عيشه-كسمع وكرم- رغدا ورغدا ، اتسع وطلب . وارغد القوم : اخصبوا وصاروا في رغد من العيش .

{ هَذِهِ الشَّجَرَةَ } أبهم القرآن تعيينها ولم يقم دليل عليه ، فالأولى عدم القطع به . والتاء فيها للوحدة الشخصية ، ولذلك ظن آدم أنه إنما نهى عن عينها فأكل غيرها من جنسها . وقيل : للوحدة النوعية ، وإنما أكل منها ناسيا أو متأولا أن النهي نهى إرشاد فقط .