هذا ابتداء إظهار سِرِّه في آدم وذريته . أَمَرَ حتى سلَّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه أربعين صباحاً ، وكل واحد من الملائكة يفضي العَجَبَ : ما حكم هذه الطينة ؟ فلمَّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة وعجيب الحكمة ، فحين قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ } تَرَجَّمَتْ الظنون ، وتقسَّمت القلوب ، وتجنَّت الأقاويل ، وكان كما قيل :
وكم أبصرتُ من حسن ولكن *** عليك من الورى وقع اختياري
ويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يَقُلْ في شأن شيء منه ما قال في حديث آدم حيث قال : { إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً } ، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة لو كان من المخلوقين . والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها ، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة ، ولم يقل إني خالق عرشاً أو جنة أو مَلَكاً ، وإنما قال تشريفاً وتخصيصاً لآدم إني جاعل في الأرض خليفة .
فصل : ولم يكن قول الملائكة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام ، فإن حَمْلَ الخطاب على ما يُوجِب تنزيه الملائكة أَوْلى لأنهم معصومون . . قال تعالى :{ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ }[ التحريم : 6 ] .
ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنَّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب ؛ فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } . ثم إن الحق سبحانه عرَّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمُّ من الفضيلة بالفعل ، فهم كانوا أكثر فعلاً وأقدمه ، وآدم كان أكثر علماً وأوفره ، فظهرت فضيلته ومرتبته .
ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال : { إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ، مِنْ غفراني لهم .
ويقال : في تسبيحهم إظهارُ فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم ، ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته ، والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع ، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه .
ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا ، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنَّس بالعصيان ظاهرهم ، كما قيل :
وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ *** جاءت محاسنُه بأَلْفِ شفيع
ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم ، وأنتم تظهرون أحوالكم ، وأنا أخفي عليهم أسراري فيهم ، وفي معناه أنشدوا :
ما حطَّك الواشون عن رتبة *** عندي ولا ضرك مغتاب
كأنهم أثْنَوْا - ولم يعلموا - *** عليك عندي بالذي عابوا
ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم ، وصولةَ قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم ، فأنتم في رتبة وفاقكم وفي عصمة أفعالكم ، وفي تجميل تسبيحكم ، وهم مُنْكَرون عن شواهدهم ، متذللون بقلوبهم ، وإن لانكسار قلوب العباد عندنا لذماماً قوياً .
ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلي ، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوي ؟ ويقال لبَّسْتُكم طاعتكم ولبستهم رحمتي ، فأنتم في صدار طاعتكم وفي حُلَّةِ تقديسكم وتسبيحكم ، وهم في تغمد عفوي وفي ستر رحمتي ألبستهم ثوب كَرَمي ، وجللتهم رداء عفوي .
ويقال إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي .
وإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلُّق رحمتي بهم في أزلي .
ويقال : لئن كان مُحسِنْكم عتيق العصمة فإن مجرمَهُم غريق الرحمة .
ويقال : اتكالهم عليَّ زكّى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما منّ به الحق عليهم فقالوا : { سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } .
{ لِلْمَلاَئِكَةِ } هم جند من خلق الله . ركز الله فيهم العقل والفهم ، وفطرهم على الطاعة ، وأقدرهم على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة ، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة ، منها أنهم : { يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ والنَهَارَ لاَ يَفتَرُونَ }{[15]} و { لاَ يَعصَونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ }{[16]}
ومنها : أنهم رسل الله أرسلهم بأمره ، ومنهم رسل الوحي إلى من اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة ، قال تعالى : { جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً }{[17]} ، وقال تعالى : { اللهُ يَصطَفِي منَ المَلاَئِكةِ رُسُلاً ومِنَ النَّاسِ }{[18]} ، { يُنَزِّلُ المَلاَئِكةَ بالرُّوحِ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاء من عبَلدِه }{[19]}
جمع ملك ، والتاء لتأنيث الجمع ، واصله ملاك ، من ملك ، نحو شمال من شمل ، والهمزة زائدة ، وهو مقلوب مألك ، ثم سهلوه فقالوا : ملك . وقيل : إن ملأك من لأك إذا أرشل ، ومنه : الألوكة ، أي الرسالة .
{ خَلِيفَةً } هو من يخلف غيره و ينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، والتاء فيه للمبالغة . والمراد يه آدم عليه السلام ، لأنه كان خليفة الله في الأرض . وكذلك سائر الأنبياء ، استخلفهم الله تعالى في عمارة الأرض وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وإجراء أحكامه عليهم ، وتنفيذ أوامره فيهم . وقيل : آدم وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض ، واستغنى بذكره عن ذكره ذريته لكونه الأصل .
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } الفساد : الخروج عن الاعتدال والاستقامة ، ويضاده الصلاح . يقال : فسد الشئ فسادا وفسودا ، وأفسده غيره . وقد عزف الملائكة وقوع ذلك من الإنسان بإخبار من الله تعالى أو إلهام ، ولم يقص علينا فيما حكى الله عنهم للإيجاز على عادة القرآن . والاستفهام : استكشاف عن الحكمة الخفية في هذا الاستخلاف ، مع ما سيترتب عليه من الإفساد وسفك الدماء .
{ وَيَسْفِكُ الدِّمَاء } السفك : الصب و الإهراق ، يقال : سفكت الدم والدمع سفكا – من باب ضرب- صببته ، والفاعل سافك وسفاك . والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بني الإنسان ظلما وعدوانا .
{ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ننزهك عما يليق بعظمتك ، تنزيها متلبسا بحمدك والثناء عليك . من التسبيح ، وهو تنزيه الله من السوء على وجه التعظيم ، وهو مشتق من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء .
{ وَنُقَدِّسُ لَكَ } نطهر ذكرك عما لا يليق بك ، تعظيما لك وتمجيدا . من التقديس بمعنى التطهير ، ومنه : الأرض المقدسة ، وروح القدس . واسمه تعالى القدوس ، أي الطاهر . واللام في " لك " زائدة لتأكيد التخصيص .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.