لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (34)

فصل : ولمَّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرَّفهم أن بِساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد ، فَرَدُّهم إلى السجود لآدم أَظهرَ الغَنَاء عن كل وفاق وخلاف .

السجود لا يكون عبادة لِعَيْنهِ ولكن لموافقة أمره سبحانه ، فكأن سجودَهم لآدم عبادةٌ لله ؛ لأنه كان بأمره ، وتعظيماً لآدم لأنه أمرهم به تشريفاً لشأنه ، فكأن ذلك النوعَ خضوعٌ له ولكن لا يسمى عبادة ، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحُّ لغيره سبحانه .

ويقال بَيَّن أن تقدُّسَه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم ، وأن التَجمُّلَ بتقديسهم وتسبيحهم عائدٌ إليهم ، فهو الذي يجل من أَجَلَّه بإجلاله لا بأفعالهم ، ويعز من أعزَّ قدره سبحانه بإعزازه ، جَلَّ عن إجلال الخلق قدْرُه ، وعزّ عن إعزاز الخَلْق ذِكْرُه .

قوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ } أبى بقلبه ، واستكبر عن السجود بنفسه ، وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه . ولقد كان إبليس مدةً في دلال طاعته يختال في صدار موافقته ، سلَّموا له رتبة التقدم ، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص ، فصار أمره كما قيل :

وكان سراج الوصل أزهر بيننا *** فهبَّت به ريحٌ من البيْن فانطفا

كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية ، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية :

فبات بخير والدني مطمئنة *** وأصبح يوماً والزمان تقلبا

فلا سالِفَ طاعةٍ نَفَعَه ، ولا آنِفَ رجعةٍ رفعه ، ولا شفاعةَ شفيعٍ أدركتهْ ، ولا سابقَ عنايةٍ أَمْسكتهْ . ومن غَلَبَه القضاء لا ينفعه العناء .

ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية ، فتداركتهْ رحمة أحدية ، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية ، وغلبته قسمة وقضية . خاب رجاؤه ، وضلَّ عناؤه .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (34)

{ اسْجُدُواْ لآدَمَ } السجود لغة : التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره . وخص في الشرع بوضع الجبهة في الأرض على قصد العبادة . والأظهر أن المأمور به : السجود بالمعنى اللغوي ، وهو التواضع والخضوع لآدم تحية وتعظيما ، وإقرارا له بالفضل دون وضع الجباه ، كسجود إخوة يوسف له ، وهو إنما كان بالانحناء ، وقد أبطل الإسلام ذلك ، وجعل التحية السلام والمصافحة . وهذا الأمر ابتلاء واختبار ، ليميز الله الخبيث من الطيب وينفذ ما سبق به العلم ، واقتضته المشيئة والحكمة .

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ } هو أبو الجن ، مشتق من الإبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس . وفعله أبلس ، ولم ينصرف لأنه معرفة ، ولا نظير له في الأسماء فأشبه الأعجمية . وقيل : هو أعجمي لا اشتقاق له ، فلم ينصرف للعلمية والعجمة . والاستثناء منقطع ، وقيل متصل ، وأن إبليس كان من الملائكة ، ورجحه الطبري