مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه ، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه ، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه ، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً ، أي : من بعد ما أبرمت فَتْلَه .
وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة ، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ- فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ ، فكما قيل :
فَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً *** خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه
فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسهُم ، وينطفِئَ- في الليلة الظلماءِ- سِرجُهم ، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم ، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم ، إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ ، وعذابٌ أليم ، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله :
{ وَنُقَلِّبُ أَفْئَدَتَهُم وَأَبْصَارَهُمْ كَمَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام :10 ] ، فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل :
والصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها *** إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ
هنالك تنسكب العَبَرَاتُ ، وتُشَق الجيوب ، وتُلْطَم الخدود ، وتُعطَّلُ العِشار ، وتخَرَّبُ المنازلُ ، وتسودُّ الأبواب ، وينوح النائح :
وأتى الرسول فأخ *** بر أنهم رحلوا قريبا
رجعوا إلى أوطانهم *** فجرى لهم دمعي صبيبا
وتركن ناراً في الضلوع *** وزرعن في رأسي مشيبا
قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .
بلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله ؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه ، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ ، وإنما هذا بلاء العوام . ولكنَّ بلاَءَ هذا غيرُ الكرامِ فهو كما قيل :
مَنْ لم يَبِتَ- والحبُّ مِلْءُ فؤادِه *** لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ
أنكاثا : واحدها نكث ، بمعنى منكوث ، منقوض .
لقد شدّد الإسلام على الوفاء بالعهود ، ولم يتسامح فيها أبدا ، لأنها قاعدةُ الثقة التي ينفرط بدونها عقدُ الجماعة ، ولذلك أكد هنا بضربِ هذا المثل ، بالمرأة الحمقاء التي تفتِلُ غَزْلَها ، ثم تنقضُه من بعد أن يكون قد اكتمل ، متخذين أيمانكم وسيلةً للمكرِ والخداع ، وتنوون الغدر بمن عاقدتم ، لأنكم أكثرُ وأقوى منهم .
إنما يختبركم الله ، فإن آثرتُم الوفاءَ كان لكم الغُنم في الدنيا والآخرة ، وإن اتجهتم إلى الغدر كان الخسران ، وليبيّنَ لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم تختلفون عليه في الدنيا ، ويجازيكم حسب أعمالكم .
وهاتان الآيتان تدلان على أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم ، مع العدالة والوفاء بالعهد ، وإن العلاقات الدولية لا تنظَّم إلا بالوفاء بالعهود ، وإن الدول الإسلامية إذا عقدت عهداً فإنما تعقده باسم الله ، فهو يتضمن يمين الله وكفالته ، وفيهما ثلاثة معان لو نفَّذتها الدولُ لساد السلم في العالم .
أولها : إنه لا يصح أن تكون المعاهدات سبيلاً للخديعة وإلا كانت غشّاً ، والغش غير جائز في الإسلام في العلاقات الإنسانية ، سواء كانت بين الأفراد أو الجماعات والدول .
ثانيها : إن الوفاء بالعهد قوةٌ في ذاته ، وإن من ينقض عهده يكون كمن نقض ما بناه من أسباب القوة ، مثلَ تلك الحمقاء التي نقضت غَزْلها بعد أن أحكمته .
ثالثها : إنه لا يصح أن يكون الباعث على نكث العهد الرغبة في القوة أو الزيادة في رقعة الأرض أو نحو ذلك ، كما تفعل إسرائيل ، وكانت من ورائها بريطانيا ، واليوم أمريكا .
هذه المبادئ لم تكن معمولاً بها قبل الإسلام ، وقد رأينا دولاً عظمى لم تفِ بالعهد وكذبت في عهودها ، فبدّد الله شملَها وعادت من الدول الفقيرة الحقيرة .
{ نقضت غزلها } ، أي : أفسدت غزلها بعد ما غزلته .
{ من بعد قوة } ، أي ، أحكام له وبرم .
{ أنكاثاً } : جمع نكث ، وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام .
{ كالتي نقضت غزلها } : هي حمقاء مكة ، وتدعى ريطة بنت سعد بن تيم القرشية .
{ دخلاً بينكم } : الدخل : ما يدخل في الشيء وهو ليس منه ؛ للإفساد والخديعة .
{ أربى من أمة } ، أي : أكثر منها عدداً وقوة .
وقوله تعالى : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } ، وهي امرأة بمكة حمقاء تغزل ثم تنكث غزلها وتفسده بعد إبرامه وإحكامه ، فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها ، فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء .
وقوله تعالى : { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } ، أي : إفساداً وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها ، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرتم من عهد وميثاق ، وتعاهدون جماعة أخرى ؛ لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر . هذا معنى قوله تعالى : { أن تكون أمة هي أربى من أمة } ، أي : جماعة أكثر من جماعة رجالاً وسلاحاً أو مالاً ومنافع . وقوله تعالى : { إنما يبلوكم الله به } ، أي : يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها ، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الأيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم ، أولا تفعلوا إيثاراً للدنيا عن الآخرة ، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، ثم يحكم بينكم ويجزيكم ، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته . .
- من بايع أميرا أو عاهد أحدا ، يجب عليه الوفاء ، ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً .
ثم ضرب الله مثلاً لنقض العهد فقال : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة } ، أي : من بعد غزله وإحكامه . قال الكلبي ، و مقاتل : هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش ، يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد ابن كعب بن زيد مناة بن تميم ، وتلقب بجعر ، وكانت بها وسوسة ، وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع ، وصنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة ، على قدرها ، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر ، وتأمر جواريها بذلك ، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار ، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها . ومعناه : أنها لم تكف عن العمل ، ولا حين عملت كفت عن النقض ، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد ، لا كففتم عن العهد ، ولا حين عاهدتم وفيتم به . { أنكاثاً } ، يعني : أنقاضاً ، واحدها نكث ، وهو ما نقض بعد الفتل ، غزلاً كان أو حبلاً . { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } ، أي : دخلاً وخيانة وخديعة ، والدخل ما يدخل في الشيء للفساد . وقيل : الدخل و الدغل : أن يظهر الوفاء ويبطن النقض . { أن تكون } ، أي : لأن تكون { أمة هي أربى } أي : أكثر وأعلى ، { من أمة } قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء ، فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر ، فمعناه : طلبتم العز بنقض العهد ، بأن كانت أمة أكثر من أمة . فنهاهم الله عن ذلك . { إنما يبلوكم الله به } ، يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، في الدنيا .