( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يدبر الأمر ، ما من شفيع إلا من بعد إذنه . ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ? إليه مرجعكم جميعا ، وعد الله حقا ، إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ، ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون . هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، يفصل الآيات لقوم يعلمون ، إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ) .
وهذه هي القضية الأساسية الكبرى في العقيدة . قضية الربوبية . . فقضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين . فهم كانوا يعتقدون بوجود الله - لأن الفطرة البشرية لا تستطيع التخلي عن الاعتقاد بوجود إله لهذا الكون إلا في حالات نادرة منحرفة شديدة الانحراف - ولكنهم كانوا يشركون مع الله أربابا يتوجهون إليهم بالعبادة .
إما ليقربوهم إلى الله زلفى ويكونوا لهم شفعاء عنده كما كانوا يزاولون خصائص الربوبية فيشرعون لأنفسهم ما لم يأذن به الله .
والقرآن الكريم لا يدخل في جدل ذهني جاف بصدد قضية الألوهية والربوبية - كالذي جد فيما بعد بتأثير المنطق اليوناني والفلسفة الإغريقية - إنما يلمس المنطق الفطري الواضح البسيط المباشر :
إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن . وجعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل . وقدر اختلاف الليل والنهار . . هذه الظواهر البارزة التي تلمس الحس ، وتوقظ القلب لو تفتح وتدبرهاتدبر الواعي المدرك . . إن الله الذي خلق هذا ودبره هو الذي يليق أن يكون رباً يدين له البشر بالعبودية ولا يشركون به شيئاً من خلقه . . أليست قضية منطقية حية واقعية ، لا تحتاج إلى كد ذهن ، ولا إلى بحث وراء الأقيسة الجدلية التي يعلكها الذهن باردة جافة ، ولا تدفئ القلب مرة ولا تستجيش الوجدان ? !
إن هذا الكون الهائل . سماواته وأرضه . شمسه وقمره . ليله ونهاره . وما في السماوات والأرض من خلق ، ومن أمم ومن سنن ، ومن نبات ومن طير ومن حيوان ، كلها تجري على تلك السنن . .
إن هذا الليل الطامي السادل الشامل ، الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح . وهذا الفجر المتفتح في سدف الليل كابتسامة الوليد الراضي . وهذه الحركة يتنفس بها الصبح فيدب النشاط في الحياة والأحياء . وهذه الظلال الساربة يحسبها الرائى ساكنة وهي تدب في لطف . وهذا الطير الرائح الغادي القافز الواثب الذي لا يستقر على حال . وهذا النبت النامي المتطلع أبدا إلى النمو والحياة . وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق . وهذه الأرحام التي تدفع والقبور التي تبلغ ، والحياة ماضية في طريقها كما شاء الله . .
إن هذا الحشد من الصور والظلال ، والأنماط والأشكال ، والحركات والأحوال ، والرواح والذهاب ، والبلى والتجدد ، والذبول والنماء ، والميلاد والممات ، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تني ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار . .
إن هذا كله ليستجيش كل خالجة في كيان الإنسان للتأمل والتدبر والتأثر ، حين يستيقظ القلب ، ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه . . والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب والعقل لتدبر هذا الحشد من الصور والآيات .
( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) . .
إن ربكم الذي يستحق الربوبية والعبادة هو هذا الخالق ، الذي خلق السماوات والأرض . خلقها في تقدير وحكمه وتدبير :
حسب ما اقتضت حكمته أن يتم تركيبها وتنسيقها وتهيئتها لما أراده الله .
ولا ندخل في تحديد هذه الأيام الستة ، فهي لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها . إنما ذكرت لبيان حكمة التقدير والتدبير في الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية . .
وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب الله ، الذي لا مصدر لإدراكه إلا هذا المصدر . فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه . والمقصود بذكرها هو الإشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام ، الذي يسير به الكون من بدئه إلى منتهاه .
والاستواء على العرش . كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة ، باللغة التي يفهمها البشر ويتمثلون بها المعاني ، على طريقة القرآن في التصوير [ كما فصلنا هذا في فصل التخييل الحسي والتجسيم من كتاب التصوير الفني في القرآن ] .
و( ثم )هنا ليست للتراخي الزماني ، إنما هي للبعد المعنوي . فالزمان في هذا المقام لا ظل له . وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن لله - سبحانه - ثم كانت . فهو - سبحانه - منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمانوالمكان . لذلك نجزم بأن( ثم )هنا للبعد المعنوي ، ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم . لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات ، وعن مقتضيات الزمان والمكان .
ويقدر أوائله وأواخره ، وينسق أحواله ومقتضياته ، ويرتب مقدماته ونتائجه ، ويختار الناموس الذي يحكم خطواته وأطواره ومصائره .
( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) .
فالأمر كله له ، والحكم كله إليه . وما من شفعاء يقربون إلى اللّه زلفى . وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة ، وفقاً لتدبيره وتقديره ، واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح ، لا بمجرد التوسل بالشفعاء . . وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند الله !
ذلكم اللّه الخالق المدبر الحاكم الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه . . ( ذلكم الله ربكم ) . . الخليق بالربوبية( فاعبدوه )فهو الذي يستحق الدينونة له دون سواه . . ( أفلا تذكرون )? . . فالأمر من الثبوت والوضوح بحيث لا يحتاج إلا لمجرد التذكر لهذه الحقيقة المعروفة . .
ونقف لحظة أمام قوله تعالى بعد عرض دلائل الألوهية في السماوات والأرض :
( ذلكم الله ربكم فاعبدوه ) . .
وقد قلنا : إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين ، فقد كانوا يعترفون بأن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء . . ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته . فلقد كان من مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوى أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم . . والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده ؛ فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له ؛ ولا يحكمون في أمرهم كله غيره . . وهذا معنى قوله تعالى :
( ذلكم الله ربكم فاعبدوه ) . .
فالعبادة هي العبودية ، وهي الدينونة ، وهي الاتباع والطاعة ، مع إفراد الله سبحانه بهذه الخصائص كلها ، لأنها من مقتضيات الاعتراف بالألوهية .
وفي الجاهليات كلها ينحسر مجال الألوهية . ويظن الناس أن الاعتراف بالألوهية في ذاته هو الإيمان ؛ وأنه متى اعترف الناس بأن الله إلههم فقد بلغوا الغاية ؛ دون أن يرتبوا على الألوهية مقتضاها وهو الربوبية . . أي الدينونة لله وحده ليكون هو ربهم الذي لا رب غيره ، وحاكمهم الذي لا سلطان لأحد إلا بسلطانه . .
كذلك ينحسر معنى " العبادة " في الجاهلية ، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر . ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده ، فقد عبدوا الله وحده . . بينما كلمة العبادة ابتداء مشتقة من عبد . و " عبد " تفيد ابتداء " دان وخضع " . وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها .
والجاهلية ليست فترة من الزمان ، ولا مرحلة من المراحل . إنما هي انحسار معنى الألوهية على هذا النحو ، ومعنى العبادة . هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك وهم يحسبون أنهم في دين الله ! كما هو الحال اليوم في كل بلاد الأرض ، بما فيها البلاد التي يتسمى أهلها بأسماء المسلمين ، ويؤدون الشعائر للّه ، بينما أربابهم غير اللّه ، لأن ربهم هو الذي يحكمهم بسلطانه وشريعته ، وهو الذي يدينون له ويخضعون لأمره ونهيه ، ويتبعون ما يشرعه لهم ، وبذلك يعبدونه كما قال رسول الله [ ص ] " . . . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم " . [ في حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الترمذي ] .
ولتوكيد معنى العبادة المقصود جاء في السورة ذاتها قوله تعالى : ( قل : أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا . قل : آلله أذن لكم أم على الله تفترون ? ) . .
وما نحن فيه اليوم لا يفترق في شيء عما كان عليه أهل الجاهلية هؤلاء الذين يناديهم الله بقوله :
{ إِنَّ رَبَّكُمُ } استئناف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور وما تبعه من تلك المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه الإجمال على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من غير نكير كما يعرب عنه غير ما آية في الكتاب الكريم ، والتأكيد لمزيد الاعتناء بمضمون الجملة على ما هو الظاهر أي أن ربكم ومالك أمركم الذي تعجبون من أن يرسل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحى إليه من الكتاب سحراً هو { الله الذى خَلَقَ * السموات والارض *فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي أوقات فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها كألف سنة مما تعدون ، وقيل : هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدة اليسيرة ولأنه تعريف لنا بما نعرفه ، ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم المعروف لأنه كما قيل عبارة عن كون الشمس فوق الأرض وهو مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء ، واليوم بهذا المعنى يسمى النهار المفرد ، ويطلق اليوم أيضاً على مجموع ذلك النهار وليلته ومقدار ذلك حينئذٍ ممكن الإرادة هنا أيضاً . وقد صرح بعض الأكابر بأن المراد بالسموات ما عدا المحدد وأن اليوم هنا عبارة عن مدة دورة تامة له ، ولا يخفى أن اليوم اللغوي يتناول هذا أيضاً إلا أن إرادته كإرادة مقدار مجموع النهار وليلته يحتاج إلى نقل وليس ذلك أمراً معروفاً عند المخاطبين ليستغني عن النقل على أن القول به يدور على كون المحدد متحركاً بالحركة الوضعية ويحتاج ذلك إلى النقل أيضاً ، وكذا يدور على كون المحدد خارجاً عن السموات المخلوقة في الأيام الست لكن ذلك لا يضر إذ الآيات والأخبار شاهدة بالخروج كما لا يخفى ، وفي خلقها مدرجاً مع القدرة التامة على إبداعها في طرفة عين اعتبار للنظار وحث لهم على التأني في الأحوال والأطوار ، وفيه أيضاً على ما صرح به بعض المحققين دليل على الاختيار ، وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فقد قيل : إنه أمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته . وقيل : إنه سبحانه جعل لكل من خلق مواد السموات وصورها وربط بعضها ببعض وخلق مادة الأرض وصورتها وربط إحداهما بالأخرى وقتاً فلذا صارت الأوقات ستاً وفيه تأمل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الدخان تحقيق هذا المطلب على وجه ينكشف به الغبار عن بصائر الناظرين .
وإيثار جمع السموات لما هو المشهور من الإيذان بأنها اجرام مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام ، وتقديمها على الأرض إما لأنها أعظم منها خلقاً أو لأنها جارية مجرى الماعل والأرض جارية مجرى القابل على ما بين في موضعه ، وتقديم الأرض عليها في آية طه لكونها أقرب إلى الحس وأظهر عنده وسيأتي أيضاً تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة ، وقيل : الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال : استوى فلان على سرير الملك ويراد منه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلاً ؛ وقيل : إن الاستواء بمعنى الاستيلاء وأرجعوه إلى صفة القدرة . وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلفة الأمة رضي الله تعالى عنهم ، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له والعجز عن درك الإدراك إدارك ، واختار كثير من الخلف أن المراد بذلك الملك والسلطان وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الإجرام العظيمة ، وقوله تعالى : { يُدَبّرُ الامر } استئناف لبيان حكمة استوائه جل وعلا على العرش وتقرير عظمته ، والتدبير في اللغة النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد به هنا التقدير الجاري على وفق الحكمة والوجه الأتم الأكمل . وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق ، والنمط اللائق حسبما تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولاً ظاهراً ، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيء أسبابه بسبب تحريك العرش وهو فلك الإفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك الممثلة وغيرها لقوة نفسه ، وقيل : لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف وإلا ففيه نظر . وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله الحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به وإن حكم القاضي ، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من ضمير { استوى } وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لأن ، وعلى كل حال فايثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تاعلى ، وقوله سبحانه : { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه ، فلا حاجة إلى أن يقال : التقدير ما من شفاعة لشفيع ، وفي ذلك أيضاً تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير ، والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة .
وذهب القاضي إلى أن فيه رداً على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى .
وتعقب بأنه غير تام لأنهم لما ادعوا شفاعتها فقد يدعون الإذن لها فكيف يتم هذا الرد ولا دلالة في الآية على أنهم لا يؤذن لهم ، وما قيل : إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال : مراده أن الأصنام لا تدلاك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديعي ، وقوله عز شأنه : { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } استئناف لزيادة التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه : { فاعبدوه } والإشارة إلى الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخب به عنه وهو الله وربكم فانهما خبران لذلكم ، وحيث كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأفاد أن لا رب غيره ولا معبود سواه ، ويجوز أن يكون الاسم الجليل نعتاً لاسم الإشارة و { رَبُّكُمْ } خبره وان يكون هو الخبر و { رَبُّكُمْ } بيان له أو بدل منه ولا يخلو الكلام من إفادة الانحصار ، وإذا فرع الأمر المذكور على ذلك أفاد الأمر بعبادته سبحانه وحده ، أي فاعبدوه سبحانه من غير أن تشركوا به شيئاً من ملك أو نبي فضلاً غن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، وليس الداعي لهذا الحمل أن أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر بها على ذلك ليفيد لما قيل : من أن الخطاب للمشركين ولا عبادة مع الشرك { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتعلمون أن الأمر كل فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده ، وإيثار { تَذَكَّرُونَ } على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تام ونظر كامل بل إلى مجرد التفات وإخطار بالبال
ومن باب الإشارة :{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي أوقات مقدار كل يوم منها دورة الفلك الأعظم مرة واحدة كما نص عليه الشيخ الأكبر والستة عدد تام واختاره الله تعالى لما فيه من الأسرار { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } أي الملك { يُدَبّرُ الأمر } على وفق حكمته بيد قدرته ، وقد يفسر العرش بقلب الكامل فالكلام إشارة إلى خلق الإنسان الذي انطوى فيه العالم بأسره { مَا مِن شَفِيعٍ } يشفع لأحد بدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه { إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } بموهبة الاست ، داد ثم بتوفيق الأسباب { ذلكم } الموصوف بهذه الصفات الجليلة { الله رَبُّكُمُ } الذي يريكم ويدبر أمركم { فاعبدوه } فخصوه بالعبادة واعرفوه بهذه الصفات ولا تعبدوا الشيطان ولا تحتجبوا عنه تعالى فتنسبوا قوله وفعله إلى الشيطان .
{ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [ يونس : 3 ] آياته التي خطها بيد قدرته في صحائف الآفاق والأنفس فتتفكروا فيها وتنزجروا عن الشرك به سبحانه .
قوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر } ، يقضيه وحده ، { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ، معناه : أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه ، وهذا رد عل النضر بن الحارث فإنه كان يقول : إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات والعزى .
قوله تعالى : { ذلكم الله ربكم } ، يعنى : الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا رب لكم سواه ، { فاعبدوه أفلا تذكرون } ، تتعظون .