في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (280)

275

ويكمل السياق الأحكام المتعلقة بالدين في حالة الإعسار . . فليس السبيل هو ربا النسيئة : بالتأجيل مقابل الزيادة . . ولكنه هو الإنظار إلى ميسرة . والتحبيب في التصدق به لمن يريد مزيدا من الخير أوفى وأعلى :

( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . وأن تصدقوا خير لكم . . إن كنتم تعلمون ) . .

إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبشرية . إنه الظل الظليل الذي تأوي إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار . إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظل الجميع !

ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدي مفهوما " معقولا " في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة ! وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسهم المتحجر البليد ! - وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب فيحتاجون للمال للطعام والكساء والدواء أو لدفن موتاهم في بعض الأحيان ، فلا يجدون في هذا العالم المادي الكز الضنين الشحيح من يمد لهم يد المعونة البيضاء ؛ فيلجأون مرغمين إلى أوكار الوحوش . فرائس سهلة تسعى إلى الفخاخ بأقدامها . تدفعها الحاجة وتزجيها الضرورة ! سواء كانوا أفرادا هكذا أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية . فكلهم سواء . غير أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الفخمة على المقاعد المريحة ؛ ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية ، والمؤلفات العلمية ، والأساتذة والمعاهد والجامعات ، والتشريعات والقوانين ، والشرطة والمحاكم والجيوش . . كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها ، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون . . ! !

نحن نعرف أن هذه الكلمات لا تصل إلى تلك القلوب . . ولكنا نعرف أنها الحق . ونثق أن سعادة البشرية مرهونة بالاستماع إليها والأخذ بها :

( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) .

وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ( 281 )

إن المعسر - في الإسلام - لا يطارد من صاحب الدين ، أو من القانون والمحاكم . إنما ينظر حتى يوسر . . ثم إن المجتمع المسلم لا يترك هذا المعسر وعليه دين . فالله يدعو صاحب الدين أن يتصدق بدينه - إن تطوع بهذا الخير . وهو خير لنفسه كما هو خير للمدين . وهو خير للجماعة كلها ولحياتها المتكافلة . لو كان يعلم ما يعلمه الله من سريرة هذا الأمر !

ذلك أن إبطال الربا يفقد شطرا كبيرا من حكمته إذا كان الدائن سيروح يضايق المدين ، ويضيق عليه الخناق . وهو معسر لا يملك السداد . فهنا كان الأمر - في صورة شرط وجواب - بالانتظار حتى يوسر ويقدر على الوفاء . وكان بجانبه التحبيب في التصدق بالدين كله أو بعضه عند الإعسار .

على أن النصوص الأخرى تجعل لهذا المدين المعسر حظا من مصارف الزكاة ، ليؤدي دينه ، وييسر حياته : إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . . والغارمين . . . وهم أصحاب الديون . الذين لم ينفقوا ديونهم على شهواتهم وعلى لذائذهم . إنما أنفقوها في الطيب النظيف . ثم قعدت بهم الظروف !

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (280)

قوله تعالى : { وإن كان ذو عسرة } . يعني وإن كان الذي عليه الدين معسراً ، رفع الكلام باسم كان ولم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة ، تقول : إن كان رجل صالح فأكرمه ، وقيل : كان بمعنى وقع ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر ، قرأ أبو جعفر عسرة بضم السين .

قوله تعالى : { فنظرة } . أمر في صيغة الخبر تقديره " فعليه نظرة " .

قوله تعالى : { إلى ميسرة } . قرأ نافع " ميسرة " بضم السين ، وقرأ الآخرون بفتحها وقرأ مجاهد " ميسرة " بضم السين مضافاً ، ومعناها اليسار والسعة .

قوله تعالى : { وأن تصدقوا } . أي تتركوا رؤوس أموالكم إلى المعسر .

قوله تعالى : { خير لكم إن كنتم تعلمون } . قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد والآخرون بتشديدها .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي ، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى بن عبدان الحافظ ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عمرو بن السرح ، أخبرنا ابن وهب عن جرير عن حازم عن أيوب عن يحيى ابن كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلاً بحق ، فاختبأ منه فقال : ما حملك على ذلك ؟ قال : العسرة ، فاستحلفه على ذلك فحلف فدعا بصكه فأعطاه إياه وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أنظر معسراً ووضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسرائيل عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الملائكة لتعلقت بروح رجل كان قبلكم فقالوا له : هل عملت خيراً قط ؟ قال : لا ، قالوا : تذكر ، قال : لا إلا أني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني أن ينظروا المعسر ، ويتجاوزا عن المعسر ، قال الله تبارك وتعالى تجاوزوا عنه " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الزياتي ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، أخبرنا زائدة عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي عن أبي اليسر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " .

فصل

في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو الوليد ، أخبرنا شعبة ، أخبرنا سلمة بن كهيل قال : سمعت أبا سلمة بمنى يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له ، فهم أصحابه فقال : " دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً ، واشتروا له بعيراً فأعطوه إياه ، قالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه قال : اشتروه فأعطوه إياه فإن خياركم أحسنكم قضاء " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملأ فليتبعه " .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم ابن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن عبد الله بن قتادة الأنصاري ، عن أبيه أنه قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً ، مقبلاً غير مدبر ، يكفر الله عن خطاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فلما أدبر ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أمر به فنودي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت ؟ فأعاد عليه قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إلا الدين ، كذلك قال جبريل " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (280)

ولما كان{[13645]} الناس منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل : هذا حكم الموسر { وإن كان } أي وجد من المدينين{[13646]} { ذو{[13647]} عسرة } لا يقدر على الأداء{[13648]} في هذا الوقت { فنظرة } أي فعليكم نظرة له . قال الحرالي : وهو التأخير المرتقب نجازه{[13649]} { إلى ميسرة } إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم ؛ وقرأ نافع وحمزة{[13650]} بضم السين ؛ قال الحرالي : إنباء{[13651]} عن استيلاء اليسر{[13652]} وهي أوسع النظرتين{[13653]} ، والباقون بالفتح إنباء{[13654]} عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين{[13655]} ، فمن انتظر إلى أوسع اليسرين{[13656]} كان أفضل توبة - انتهى . { وأن تصدقوا } أي وصدقتكم{[13657]} على المعسر بتركه له ، ذلكم{[13658]} { خير } {[13659]}في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى { لكم } ويعوضكم وفي الآخرة بما يجزل لكم من الأجر .

ولما كان كل{[13660]} أحد يدعي{[13661]} العلم ويأنف أشد أنفة{[13662]} من النسبة إلى الجهل قال : { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من ذوي العلم {[13663]}فأنتم تعرفون صحة{[13664]} ما دعوتكم إليه مما{[13665]} يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال عليه ، فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح{[13666]} على العلم بقبح{[13667]} الشيء الإصرار{[13668]} عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون بالحرب و{[13669]}الضرب والطعن{[13670]} كالسباع الضارية{[13671]} و{[13672]}الذئاب العاوية{[13673]} . وقال الحرالي : فأعلم سبحانه وتعالى أن{[13674]} من وضع كيانه{[13675]} للعلم فكان ممن يدوم علمه ؟ تنبه لأن خير الترك خير من خير{[13676]} الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى .

وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " لما أنزلت{[13677]} الآيات الأواخر - وفي رواية : من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن{[13678]} النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية : على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر " وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا " ولأبي عبيد عن ابن شهاب{[13679]} قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين . وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : آخر آية نزلت{[13680]} من القرآن { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } [ البقرة : 281 ] قال : زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال وبدىء به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى . ولا مخالفة لأنها{[13681]} من آية{[13682]} الربا والدين . وروى الحديث أبو عمرو الداني{[13683]} في كتاب " البيان في عدد آي القرآن " وقال فيه{[13684]} : " قال الملك : اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة " .


[13645]:زيد ما بين المربعين من م ومد وظ.
[13646]:من م ومد وظ، وفي الأصل: المدنيين ـ كذا.
[13647]:في ظ: ذوا.
[13648]:في الأصل: الأذى، وفي ظ: ألوفا، والتصحيح من م ومد.
[13649]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تجارة، وفي م: فجازه.
[13650]:زيد من ظ.
[13651]:من ظ، وفي بقية الأصول: أنبأ.
[13652]:من م ومد وظ، وفي الأصل: هو واسع النظرين.
[13653]:من م ومد وظ، وفي الأصل: هو واسع النظرين.
[13654]:من ظ، وفي بقية الأصول: أنبأ.
[13655]:في الأصل: مرتبتين، وفي م ومد وظ: رتبتين.
[13656]:من م ومد وظ، وفي الأصل: اليشرين ـ كذا بالشين المعجمة.
[13657]:في م: صدقكم.
[13658]:ليس في مد وظ.
[13659]:زيد في ظ ومد: لكم.
[13660]:في الأصل: أكل، والتصحيح من م ومد وظ.
[13661]:في الأصل: إليكم وما ألف أشد أنفه، والتصحيح من م ومد وظ.
[13662]:في الأصل: إليكم وما ألف أشد أنفه، والتصحيح من م ومد وظ.
[13663]:في الأصل: فأين تعرفون نصيحة، والتصحيح من م ومد وظ غير أن في م: توفون ـ مكان: تعرفون.
[13664]:في الأصل: فأين تعرفون نصيحة، والتصحيح من م ومد وظ غير أن في م: توفون ـ مكان: تعرفون.
[13665]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بما.
[13666]:في الأصل: يفتح، والتصحيح من م وظ ومد.
[13667]:من ظ ومد، وفي الأصل: بفتح.
[13668]:في ظ: للاصرار.
[13669]:في م ومد وظ: الطعن والضرب.
[13670]:في م ومد وظ: الطعن والضرب.
[13671]:في الأصول: الضاربة ـ كذا.
[13672]:في الأصل: الديات العارية، والتصحيح من م ومد وظ غير أن في م: الغاوية ـ مكان: العاوية.
[13673]:في الأصل: الديات العارية، والتصحيح من م ومد وظ غير أن في م: الغاوية ـ مكان: العاوية.
[13674]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أنه.
[13675]:من م وظ ومد، وفي الأصل: كتابه.
[13676]:ليس في ظ.
[13677]:في م وظ: نزلت.
[13678]:في الأصل: قرأه من، والتصحيح من م ومد وظ.
[13679]:في م: أبي.
[13680]:في مد وظ: أنزلت.
[13681]:من م وظ ومد، وفي الأصل: أنها.
[13682]:في ظ ومد: آيات.
[13683]:في الأصل: الدارني، والتصحيح من م وظ ومد.
[13684]:وقال الأندلسي في البحر المحيط 2/341 : و روى أنه قال: اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، وروى أنه قال عليه السلام: جاءني جبريل فقال: اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة.