ثم يبين لهم المحرمات من المآكل نصا وتحديدا باستعمال أداة القصر " ( إنما ) . .
( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) . .
والميتة تأباها النفس السليمة وكذلك الدم ، فضلا على ما أثبته الطب - بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن الله - من تجمع الميكروبات والمواد الضارة في الميتة وفي الدم ، ولا ندري إن كان الطب الحديث قد استقصى ما فيهما من الأذى أم إن هناك أسبابا أخرى للتحريم لم يكشف عنها بعد للناس .
فأما الخنزير فيجادل فيه الآن قوم . . والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم . . ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة [ الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة ] . ويقول الآن قوم : إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت ، فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توافرها وسائل الطهو الحديثة . . وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة . فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها ؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها ، وندع كلمة الفصل لها ، ونحرم ما حرمت ، ونحلل ما حللت ، وهي من لدن حكيم خبير !
أما ما أهل به لغير الله . أي ما توجه به صاحبه لغير الله . فهو محرم ، لا لعلة فيه ، ولكن للتوجه به لغير الله . محرم لعلة روحية تنافي صحة التصور ، وسلامة القلب ، وطهارة الروح ، وخلوص الضمير ، ووحدة المتجه . . فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية على هذا المعنى المشترك للنجاسة . وهو ألصق بالعقيدة من سائر المحرمات قبله . وقد حرص الإسلام على أن يكون التوجه لله وحده بلا شريك . .
ومن هنا تتجلى علاقة التحليل والتحريم في هذه الآيات ، بالحديث عن وحدانية الله ورحمته كذلك في الآيات السابقة . فالصلة قوية ومباشرة بين الاعتقاد في إله واحد ، وبين التلقي عن أمر الله في التحليل والتحريم . . وفي سائر أمور التشريع . .
ومع هذا فالإسلام يحسب حساب الضرورات ، فيبيح فيها المحظورات ، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات ، بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها :
( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم ) . .
وهو مبدأ عام ينصب هنا على هذه المحرمات . ولكنه بإطلاقه يصح أن يتناول سواها في سائر المقامات . فأيما ضرورة ملجئة يخشى منها على الحياة ، فلصاحبها أن يتفادى هذا الحرج بتناول المحظور في الحدود التي تدفع هذه الضرورة ولا زيادة . على أن هناك خلافا فقهيا حول مواضع الضرورة . . هل فيها قياس ؟ أم هي الضرورات التي نص عليها الله بأعيانها . . وحول مقدار ما تدفع به الضرورة ؟ هل هو أقل قدر من المحظور أم أكلة أو شربة كاملة . . ولا ندخل نحن في هذا الخلاف الفقهي . وحسبنا هذا البيان في ظلال القرآن .
ولما قيد الإذن لهم بالطيب {[6713]}من الرزق{[6714]} افتقر{[6715]} الأمر إلى بيان الخبيث منه{[6716]} ليجتنب فبين صريحاً{[6717]} ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره {[6718]}وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جداً ليزداد المخاطب شكراً{[6719]} فقال : { إنما حرم عليكم } . وقال الحرالي : ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات الشيطان فقال : { إنما حرم } [ البقرة : 173 ] وأجرى{[6720]} إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاماً بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم{[6721]} بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها ، لما{[6722]} ذكر أن المحرم إما لحرمته علواً كالبلد الحرام وتحريم الأمر ، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات{[6723]} ، ففي كلمة " إنما " نفي لمتوهمات{[6724]} ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلاً يقول : حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه{[6725]} إسرائيل على نفسه ، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى . فالمعنى والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما {[6726]}حرمه الله سبحانه وتعالى ولم{[6727]} يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه{[6728]} إلا ما ذكرته{[6729]} هذه الآية ؛ وإذا راجعت ما في{[6730]} قوله سبحانه وتعالى في الأنعام فكلوا مما ذكر اسم الله عليه{[6731]} }[ الأنعام : 118 ] وقوله{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه{[6732]} }[ الأنعام : 121 ] وقوله{ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً{[6733]} }[ الأنعام : 145 ] من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية . وقال { الميتة } {[6734]}أي التي سماها بذلك أهل العرف ، وهي{[6735]} ما فارقه{[6736]} الروح من غير ذكاة شرعية وهو{[6737]} مما يذكى{[6738]} . قال الحرالي : وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة ، وهي{[6739]} أشد مفسد{[6740]} للجسم لفساد تركيبها{[6741]} بالموت وذهاب تلذذ{[6742]} أجزائها وعتقها{[6743]} وذهاب روح الحياة والطهارة منها . { والدم } {[6744]}أي الجاري{[6745]} لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد{[6746]} إلى حال الأعضاء ، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد صلى الله عليه وسلم وفيمن نزع{[6747]} عنه خبث{[6748]} الظاهر والباطن طبعاً ونفساً . { ولحم الخنزير } لأذاه{[6749]} للنفس{[6750]} كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم ، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى{[6751]} جسمه بجسمانية شيء اغتذت{[6752]} نفسه{[6753]} بنفسانية ذلك الشيء " الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ، والسكينة في أهل الغنم " فلما{[6754]} جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق{[6755]} ؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد ، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر ، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين{[6756]} من أجزاء الرطوبات ، {[6757]}وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم .
ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال : { وما أهل } والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم { به } {[6758]}أي رفع{[6759]} رافع الصوت بسببه ذابحاً { لغير الله } {[6760]}أي الذي لا كفؤ له بوجه . قال الحرالي{[6761]} : لأن ما{[6762]} لم يذكر{[6763]} عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه و{[6764]}مالكه ، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذناً في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد{[6765]} للدعوى فيها سبيلاً من الخلق . وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم ، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما{[6766]} لا يعلم من خفي الذكر " قالوا : يا رسول الله ! إن ناساً يأتوننا بلحام{[6767]} لا ندري أسموا الله عليها أم لا . فقال رسول{[6768]} الله صلى الله عليه وسلم : " سموا الله أنتم وكلوا " "
فكان المحرم ليس ما لم يعلم{[6769]} أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه ، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله { به } تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون{[6770]} ما هم به أهم وهم ببيانه{[6771]} أعنى ، قال{[6772]} صلى الله عليه وسلم : " ابدؤوا بما بدأ الله به " ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي {[6773]}التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى{[6774]} معنى{[6775]} من الذي {[6776]}أخر فيها{[6777]} هذا الضمير .
ولما كان هذا الدين يسراً{[6778]} لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن{[6779]} المضطر ، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعاً من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ{[6780]} من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع{[6781]} الأحكام{[6782]} في البغي والعدوان{[6783]} فقال : { فمن اضطر } أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت{[6784]} إلى أكل{[6785]} شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه { غير باغ } أي{[6786]} قاصد فساداً{[6787]} بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذاً من تلك{[6788]} الميتة هو أقوى منه كأن يحيله{[6789]} على غيرها خداعاً منه ليستأثر عليه بالأحسن منها { ولا عاد } على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه{[6790]} عنها ، ولا مجاوز{[6791]} لسد الرمق وإزالة الضرورة{[6792]} ؛ و{[6793]}يدخل في الآية أن من بغى {[6794]}على إمام أو{[6795]} قصد بضربه في الأرض فساداً أو عدا على أحد ظلماً فحصل له {[6796]}بسبب ذلك مخمصة{[6797]} لا يحل{[6798]} له ما كان حراماً لأن في ذلك إعانة له على معصيته{[6799]} ، فإن تاب استباح{[6800]} { فلا إثم عليه{[6801]} } لا من التحريم الأول ولا من الحكم الآخر ، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين ، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين{[6802]} ، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة{[6803]} يؤثر{[6804]} ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته ؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله{[6805]} مضرة ، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئاً أذهب ضره " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " ففيه{[6806]} تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً {[6807]}في الباطن{[6808]} ، فكما{[6809]} رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي .
ثم علل هذا الحكم مرهباً مرغباً بقوله : { إن الله } فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع ، وفي قوله : { غفور{[6810]} } إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلاّ عن{[6811]} ذنب أصابه ، فلولا المغفرة لتممت{[6812]} عليه عقوبته ، لأن المؤمن أو الموقن{[6813]} لا تلحقه ضرورة ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء وعبد الله {[6814]}لا يعجزه ما لا يعجز ربه{[6815]} { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين{[6816]} }[ الروم : 49 ] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان " جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً{[6817]} ففنيت أزوادهم فأقاموا أياماً يتقوتون{[6818]} بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر{[6819]} " فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي " هو الطهور ماؤه الحل ميتته{[6820]} " وفي قوله : { رحيم } إنباء بأن من اضطر فأصاب{[6821]} مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ{[6822]} فيه ولم يعد تناله{[6823]} من الله رحمة توسعه من{[6824]} أن يضطر بعدها إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى ؛ وتصرفت فيه .
وقوله : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) ( وقوله : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) ( إنما ) ، اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل ، وإنما تجيء في الكلام لإثبات المذكور ونفي ما سواه{[177]} ، وهي بذلك تفيد الحصر . أي أن التحريم محصور في الأعيان المبينة في هذه الآية . و ( الميتة ) منصوب على المفعولية للفعل ( حرم ) . وما بعدها معطوف عليها . أما من الناحية الشرعية فإن التحريم يشمل كلا من :
( الميتة ) وهي الدابة مأكولة اللحم أصلا ، لكنها فارقتها الروح من غير تذكية شرعية معلومة . فما كان كذلك فهو غير مأكول إلا ما استثني من ذلك وهما السمك والجراد ؛ لقوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) وفيما أخرجه أهل السنن عن النبي ( ص ) قال : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " يشير بذلك إلى البحر .
وروى الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر حديثا مرفوعا : " أحل لنا ميتتان ودمان ، السمك والجراد ، والكبد والطحال " وبذلك فإن استثناء السمك والجراد يأتي على سبيل التخصيص لهذا الآية الكريمة .
أما الانتفاع بالميتة التي فارقتها الروح من غير تذكية شرعية معلومة فهو موضع خلاف كذلك . فثمة قولان في هذه المسألة : أحدهما : أن الانتفاع بالميتة جائز واستدلوا على ذلك بأن النبي ( ص ) مرّ على شاة ميتة لميمونة فقال : " هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموها فانتفعتم به " .
وثانيهما : أن الانتفاع بالميتة كيفما كان غير جائز ؛ استنادا إلى ما روي عن النبي ( ص ) قوله : " لا تنتفعوا من الميتة بشيء " وفي حديث آخر : " لا تنتفعوا من الميتة بشيء " وفي حديث آخر : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " .
والراجح عندي هو القول الثاني ؛ استنادا إلى الدليل الظاهر : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " وهو نص متأخر حتى يمكن الحكم بأنه ناسخ لما عارضه من حديث . والله سبحانه وتعالى أعلم .
والميتة إذا كانت في بطن الذبيح جنينا فثمة خلاف في ذلك . والراجح أنها تؤكل ، إلا إذا ظل الجنين حيا بعد ذبح أمه أو نحرها . فإنه في مثل هذه الحالة يكون له حكم الحي الذي يذكى ليؤكل ، لكنه إن كان ميتا فإنه يحتسب عضوا من أعضاء أمه فيؤكل دون تذكية . وقيل : لا يؤكل ؛ لكونه ميتا ، والقول الأول هو الراجح بدليل ما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) سئل عن البقرة والشاة تذبح ، والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال : " إن شئتم فكلوه ، لأن ذكاته ذكاة أمه " .
وإذا وقع في الطعام حيوان طائر أو غيره فمات فثمة قولان : أحدهما : يذهب إلى نجاسة الطعام كله ؛ لمخالطته الميتة . وثانيهما : يذهب إلى نجاسة المرق ؛ إذ لا يمكن تطهيره بل يراق ، أما اللحم فيطهر إذا غسل بالماء . وفي تقديرنا أن هذا هو الراجح ؛ لأن المرق الذي وقعت فيه النجاسة قد تخالط بها تماما فعير مستطاع فصلها عنه ، لكن اللحم إذا غسل تماما أمكن تنقيته من أدران النجاسة . وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال : " يغسل اللحم ويؤكل " .
أما البيضة واللبن يخرجان من الدابة المأكولة بعد موتها ، فقد اختلفت كلمة الفقهاء فيهما ، وقد اتفق الإمامان الشافعي ومالك على أنهما لا يؤكلان لنجاستهما ، لكنهما اختلفا في مصدر نجاستهما ، لكنهما اختلفا في مصدر نجاستهما . فقال الشافعي : إنهما نجسان بنجاسة الأصل وهي الميتة وهما عضوان منها . وقد استند في ذلك إلى عموم قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة ) .
وذهب الإمام مالك إلى أن البيضة واللبن يكونان طاهرين في الأصل وذلك بعد موت الدابة من غير تذكية ، لكنهما ينجسان لمجاورتهما اللحم النجس .
أما أبو حنيفة فقد قال بطهارتهما . وعلل ذلك بأن اللحم يؤكل بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير حاجة لتطهير أو غسل .
أما ( الدم ) فهو نجس ويحرم أكله أو الانتفاع به . إلا ما عمت به البلوى من الدم فهو معفو عنه ، وذلك كالدم يخالط اللحم والعروق ، أو ما يصيب بدن الجزار وثوبه مما يصعب معه التحرز . فإن كان كذلك فهو مما تعم به البلوى ، أو ما يكون التحرز منه يفضي إلى الحرج . ومن قواعد الشريعة السمحة دفع الحرج . فإن من قواعد هذا الدين قيامه على التسهيل واليسر ودفع الحرج بكل ظواهره في كل مناحي الشريعة قال سبحانه : ( وما جعل عليكم في الدين حرج ) .
على أن هذا النص الكريم في تحريم الدم يفيد العموم ، لكنه حرج منه صنفان من الدم وهما الكبد والطحال ، وذلك ما جاءت به السنة الكريمة فيما روي مرفوعا من حديث ابن عمر : " أحل لنا ميتتان ودمان ، السمك والجراد والكبد والطحال " فهما بذلك مباح أكلهما على سبيل التخصيص . فالنص في ذاته عام ، لكنه مخصص بالسنة الصحيحة .
وأما ( لحم الخنزير ) فهو محرم العين سواء ذكي أم لم يُذكّ . فهو حرام جملة وتفصيلا إلا ما روي عن شعره . والمقصود بتحريمه عينا أنه نجس وحرام لذاته وعلى هذا لا يتحول إلى مباح بالتذكية بل هو باق على صفته من النجاسة والتحريم فلا يجوز شرعا أن يؤكل منه شيء ولا أن يُباع أو يُشترى باستثناء الشعر فإنه يجوز استعماله للخرازة . فقد سئل النبي ( ص ) عن ذلك فقال " لا بأس بذلك " والمراد بالخرازة خياطة الثياب .
قوله : ( ما أهل به لغير الله ) الواو تفيد العطف . ما اسم موصول في محل رفع معطوف على الميتة . ( أهل ) فعل ماض مبني للمجهول . وهو من الإهلال ، ومعناه رفع الصوت . نقول : استهل الصبي أي صاح عند ولادته . وقد كان من عادة العرب الصياح باسم المقصود بالذبيحة{[178]} .
وقد ذكر عن ابن عباس وغيره من أهل العلم أن المراد بما أهل به لغير الله هو ما ذبح على الأنصاب أو الأوثان . فإذا توجه الذابح بنيته نحو غير الله كانت ذبيحته مما أهل به لغير الله فلا يحل إذن أكلها . وذلك المجوسي يذبح للنار ، فإذا ذبح ذكر اسم النار . وكالوثني يذبح للوثن ، فإذا ذبح ذكر اسم الوثن على المذبوح . ثم ذلك الذي لا دين له ، فهو غير مبال بملة من الملل . ولا يهمه أن يكون ذا دين من الأديان كأولئك الماديين الملحدين ، فهم إذا ذبحوا فما تحل ذبيحتهم للأكل ، بل ترمي للكلاب ويندرج في هذا الحكم كل ذبيحة يكون توجه النية فيها لدى الذابح نحو غير الله . مثل ذلك الذي يذبح ذبيحته على الدار أو السيارة أو نحو ذلك . وشأن ذلك شان الذي يذبح على النصب أي من أجلها .
وقوله : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) المضطر هو المحتاج . من الفعل اضطر على وزن افتعل ، وهو من الضرورة . فمن حاقت به ضرورة أبيحت له هذه المحظورات فله أن يأكل منها .
ويستوي في الاضطرار أن يكون سببه الإكراه من عدو أو ظالم ، أو الجوع الشديد الذي يخشى معه الهلاك . فإن للمضطر حينئذ أن يأكل من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به . على أن يكون المضطر غير واجد طعاما غير هذا المحظور ، فإن وجد طعاما كالثمر وغيره لواحد من الناس وكان يعلم أنه ليس في أكله ما يجرّ عليه تهمة السرقة ، فله أن يأكل منه ما يسد حاجته ويُذهب عنه شدة المخمصة والتلف ؛ ليقوى بعد ذلك على السعي إلى أن يبلغ ما يريد .
وفي ذلك أخرج ابن ماجه أن النبي ( ص ) سئل : أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب ؟ ! . فقال : " كل ولا تحمل ، واشرب ولا تحمل " .
وأخرجه ابن ماجه بإسناده عن عبّاد بن شرحبيل قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا{[179]} . من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي ، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله ( ص ) فأخبرته فقال للرجل : " ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ، ولا علمته إذ كان جاهلا " فأمره النبي ( ص ) فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق .
وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي ( ص ) سئل عن الثمر المعلق فقال : " من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه " والخبنة هي ما يحمل تحت الإبط . وخبنت الشيء خبنا أي أخفيته .
وقوله : ( غير باغ ولا عاد ) غير منصوب على الاستثناء . وقيل على الحال{[180]} . وباغ أي متجاوز للحد الذي تندفع معه الحاجة ؛ إذ ليس للمضطر أن يأكل أو يشرب أكثر مما يحتاج إليه من إذهاب لشدة الجوع وخطره على الحياة . وعاد : أن يجد بديلا عن هذه المحرمات ثم يأكلها .
وفي قول آخر : ( غير باغ ) أي غير قاصد من أكل المحرمات تحصيل لذة أو شهوة ، بل يقصد دفع الحاجة وغائلة الجوع الذي يخشى منه على النفس مع انعدام الطعام الحلال . ( عاد ) أي مستوف للأكل فوق ما يسد الرمق .
وفي قول ثالث : الباغي والعادي يشملان كل قاطع للسبيل أو مفارق للجماعة خارج على الإمام أو من كان خارجا من بيته في معصية فألمت به الحاجة . ومثل هؤلاء لا يستحق الرخصة في الأكل من الطعام المحظور حتى وإن كان مضطرا ؛ وذلك لبغيه وعدوانه . ذلك ما ذهب إليه أكثر الفقهاء خلافا للإمام أبي حنيفة ؛ إذ جعل لكم من هؤلاء رخصة الأكل من المحرمات حال الاضطرار استنادا إلى إطلاق النص الكريم . وهو أحد قولين للإمام الشافعي . وذلك الذي نرجحه ونميل إليه اعتمادا على الآية في إطلاقها هنا ، ويقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) فإن الإمساك عن أكل الحرام عند الضرورة ربما أوقع في الهلاك أو إذهاب النفس ، وذلك أشد حرمة ونٌكرا من أكل الطعام الحرام .
وقوله : ( إن الله غفور رحيم ) يغفر الله للمضطر خطيئته ويتجاوز له عن السيئة في الأكل من مال غيره بغير إذنه . وهو تبارك وتعالى ( رحيم ) إذ أباح للمضطر أن يأكل من مال غيره دون إذنه حفاظا على نفسه من الزهوق{[181]} .
أما استعمال المحرمات للتداوي ، كشرب الخمر ونحوه مما حرمه الشرع ، فذلك موضع خلاف ، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم جواز التداوي بما حرم الله كالخمر وغيره مما يحرم أكله أو شربه . وهو قول المالكية والحنابلة وكذا الشافعية . فقد منع بعضهم التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة لحديث العرنيين . ومنع بعضهم التداوي بكل محرم ؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم " {[182]} ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه ، فقال : إنما أصنعها للدواء ، فقال عليه السلام : " إنه ليس بدواء ولكنه داء " {[183]} . وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الاضطرار ، فإنه يجوز التداوي بالسم ولا يجوز شربه .
وقال الإمام أبو حنيفة : يجوز شرب الخمر للتداوي دون العطش . وهو قول الثوري . ودليل ذلك إباحة النبي ( ص ) لعبد الرحمن بن عوف أن يلبس الحرير لحكة أصابته{[184]} .
أما مقدار ما يؤكل من المحرم كالميتة ونحوها : فإن المباح من ذلك ما فيه سد الرمق والأمن من الموت ، فلا يبلغ بذلك حد الشبع وهو قول الحنفية ، والحنابلة وأحد القولين للشافعي . ووجه ذلك أن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر إليه ، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل فوق ما يسد الرمق ؛ لأنه بعد سد الرمق لا يكون مضطرا .
وذهبت المالكية إلى جواز الأكل من الميتة ونحوها من المحرمات حتى الشبع وهو أحد قولي الشافعي . ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن جابر بن سمرة أن رجلا نفقت{[185]} عنده ناقة ولم يكن عنده ما يقتات غيرها ، فسأله النبي ( ص ) : " هل عندك غنى يغنيك " قال : لا . قال : " فكلوها " ولم يفرق بين الشبع وما دونه . وما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه{[186]} .