في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (128)

ثم نمضي خطوة أخرى مع التنظيم الاجتماعي - في محيط الأسرة - في هذا المجتمع الذي كان الإسلام ينشئه ، بمنهج الله المتنزل من الملأ الأعلى ، لا بعوامل التغير الأرضية في عالم المادة أو دنيا الإنتاج :

( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا . والصلح خير . وأحضرت الأنفس الشح . وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا . ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء - ولو حرصتم - فلا تميلوا كل الميل ، فتذروها كالمعلقة . وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما . وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . وكان الله واسعا حكيما ) .

لقد نظم المنهج - من قبل - حالة النشوز من ناحية الزوجة ؛ والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة [ وذلك في أوائل هذا الجزء ] فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج ، فتهدد أمن المرآة وكرامتها ، وأمن الأسرة كلها كذلك . إن القلوب تتقلب ، وإن المشاعر تتغير . والإسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها ، ويتعرض لكل ما يعرض لها ؛ في نطاق مبادئه واتجاهاته ؛ وتصميم المجتمع الذي يرسمه وينشئه وفق هذا التصميم .

فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة ؛ وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض ، الذي يتركها كالمعلقة . لا هي زوجة ولا هي مطلقة ، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها ، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية . كأن تترك له جزءا أو كلا من نفقتها الواجبة عليه . أو أن تترك له قسمتها وليلتها ، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها ، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها . . هذا كله إذا رأت هي - بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها - أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها :

( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ) . . هو هذا الصلح الذي أشرنا إليه . .

ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق :

( والصلح خير ) . .

فينسم على القلوب التي دبت فيها الجفوة والجفاف ، نسمة من الندى والإيناس ، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية ، والرابطة العائلية .

إن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بواقعها كله . فهو يحاول - بكل وسائله المؤثرة - أن يرفع هذه النفس إلى أعلى مستوى تهيئها له طبيعتها وفطرتها . . ولكنه في الوقت ذاته لا يتجاهل حدود هذه الطبيعة والفطرة ؛ ولا يحاول أن يقسرها على ما ليس في طاقتها ؛ ولا يقول للناس : اضربوا رؤوسكم في الحائط فأنا أريد منكم كذا والسلام ! سواء كنتم تستطيعونه أو لا تستطيعونه !

إنه لا يهتف للنفس البشرية لتبقى على ضعفها وقصورها ؛ ولا ينشد لها أناشيد التمجيد وهي تتلبط في الوحل ، وتتمرغ في الطين - بحجة أن هذا واقع هذه النفس ! ولكنه كذلك لا يعلقها من رقبتها في حبل بالملأ الأعلى ، ويدعها تتأرجح في الهواء ؛ لأن قدميها غير مستقرتين على الأرض . بحجة الرفعة والتسامي !

إنه الوسط . . إنه الفطرة . . إنه المثالية الواقعية . أو الواقعية المثالية . . إنه يتعامل مع الإنسان ، بما هو إنسان . والإنسان مخلوق عجيب . هو وحده الذي يضع قدميه على الأرض ؛ وينطلق بروحه إلى السماء . في لحظة واحدة لا تفارق فيها روحه جسده ؛ ولا ينفصل إلى جسد على الأرض وروح في السماء !

وهو هنا - في هذا الحكم - يتعامل مع هذا الإنسان . وينص على خصيصة من خصائصه في هذا المجال : ( وأحضرت الأنفس الشح ) .

أي أن الشح حاضر دائمًا في الأنفس . وهو دائما قائم فيها . الشح بأنواعه . الشح بالمال . والشح بالمشاعر . وقد تترسب في حياة الزوجين - أو تعرض - أسباب تستثير هذا الشح في نفس الزوج تجاه زوجته . فيكون تنازلها له عن شيء من مؤخر صداقها أو من نفقتها - إرضاء لهذا الشح بالمال ، تستبقي معه عقدة النكاح ! وقد يكون تنازلها عن ليلتها - إن كانت له زوجة أخرى أثيرة لديه - والأولى لم تعد فيها حيوية أو جاذبية إرضاء لهذا الشح بالمشاعر ، تستبقي معه عقدة النكاح ! والأمر على كل حال متروك في هذا للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها . . لا يلزمها المنهج الرباني بشيء ؛ ولكنه فقط يجيز لها التصرف ، ويمنحها حرية النظر والتدبر في أمرها وفق ما تراه .

وفي الوقت الذي يتعامل المنهج الإسلامي مع طبيعة الشح هذه ، لا يقف عندها باعتبارها كل جوانب النفس البشرية . بل هو يهتف لها هتافا آخر ، ويعزف لها نغمة أخرى :

وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا .

فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية . ولن يضيع منهما شيء على صاحبة ، فإن الله خبير بما تعمله كل نفس ؛ خبير ببواعثه وكوامنه . . والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى ، والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل ، هتاف مؤثر ، ونداء مستجاب . . بل هو وحده الهتاف المؤثر والنداء المستجاب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (128)

ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم ، وصاروا يتزوجون ذوات الأموال منهن ويضاجرون بعضهن ؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج فقال : { وإن امرأة } أي{[22912]} واحدة أو على ضرائر .

ولما كان ظن المكروه مخوفاً قال{[22913]} : { خافت } أي توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن { من بعلها نشوزاً } أي ترفعاً بما ترى من استهانته لها بمنع حقوقها أو إساءة صحبتها { أو إعراضاً } عنها بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك ، تخشى أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفاً لملاطفتها{[22914]} بقوله وفعله { فلا جناح } أي حرج وميل { عليهما أن يصلحا }{[22915]} أي يوقع الزوجان { بينهما } تصالحاً ومصالحة ، هذا على قراءة الجماعة{[22916]} ، وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام التقدير : إصلاحاً ، لكنه لما كان المأمور به يحصل بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى{[22917]} المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجرداً له : { صلحاً } بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك ، وأن يلين لها{[22918]} هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك .

ولما كان التقدير : ولا حناح عليهما أن يتفارقا على وجه العدل ، عطف عليه قوله : { والصلح } أي بترك كل منهما حقه أو بعض حقه { خير } أي المفارقة التي أشارت إليها الجملة المطوية لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين ، والمفارقة مبناها العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير ، لكنها مفضولة{[22919]} ، وتخصيصُ المفارقة بالطي{[22920]} لأن مبنى السورة على المواصلة .

ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة{[22921]} في الطباع ، صوَّر سبحانه وتعالى ذلك{[22922]} تنفيراً عنه ، فقال اعتراضاً بين هذه الجمل للحث على{[22923]} الجود بانياً الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المُحِضر لا يرضى أحد نسبته إليه : { وأحضرت الأنفس } أي الناظرة{[22924]} إلى نفاستها عجباً{[22925]} { الشح } أي الحرص وسوء الخلق وقلة الخير والنكد والبخل بالموجود ، وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير .

ولما كان هذا خلقاً رديئاً لم يذكر فاعله ، والمعنى : أحضرها إياه مُحضر{[22926]} . فصار ملازماً لها ، لا تنفك{[22927]} عنه إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء ، ولما كان التقدير : فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من موجبات الذم ، عطف عليه قوله : { وإن تحسنوا } أي توقعوا الإحسان بالإقامة على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين { وتتقوا } أي توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن الشحيح لا محسن ولا متق { فإن الله } أي وهو{[22928]} الجامع لصفات الكمال { كان } أزلاً وأبداً { بما تعملون } أي في كل شح وإحسان { خبيراً * } أي بالغ العلم به وأنتم تعلمون أنه أكرم الأكرمين ، فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء .


[22912]:سقط من ظ.
[22913]:من مد، وفي الأصل: قالت، وفي ظ: قاله ـ كذا.
[22914]:من ظ ومد، وفي الأصل: لملاطفته.
[22915]:من ظ ومد، وفي الأصل: يصلحها ـ كذا، وفي مصاحفنا: يصلحا.
[22916]:أي بفتح الياء وتشديد الصاد.
[22917]:من ظ ومد، وفي الأصل: بين.
[22918]:من ظ ومد، وفي الأصل: له.
[22919]:في ظ: مفصوله.
[22920]:في ظ: بالظن ـ كذا.
[22921]:في ظ: سكافنه ـ كذا.
[22922]:تقدم في الأصل على "سبحانه وتعالى"، والترتيب من ظ ومد.
[22923]:زيد من ظ.
[22924]:من مد، وفي الأصل وظ: الناضرة.
[22925]:في ظ: عجب.
[22926]:من مد، وفي الأصل وظ: محضرا.
[22927]:في ظ: لا يفك.
[22928]:زيد من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} (128)

قوله تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) .

قوله ( إن ) أداة شرط . ( امرأة خافت من بعلها . . . ) جملة الشرط . امرأة فاعل مرفوع لفعل مقدر يفسره ما بعده . وتقدير الكلام : وإن خافت امرأة من بعلها . . . وجواب الشرط مقترن بالفاء ويتألف من الجملة الإسمية ( فلا جناح عليهما . . . ) .

والبعل هو الزوج . والنشوز من الفعل نشز ومعناه ارتفع . والمرأة الناشز هي المستعصية على زوجها والتي تترفّع عليه فلا تطيعه . أما النشوز من الرجل للمرأة فهو أن يجفوها وينفر منها أو يحيف عليها إضرارا . والنشوز والإعراض يؤديان إلى نتيجة مشتركة من الجفوة والنفور والإدبار . وقيل : النشوز معناه التباعد ، أما الإعراض فمعناه ألا يكلمها ولا يأنس بها .

وقد أورد البخاري في سبب نزول هذه الآية عن عائشة قالت : الرجل تكون عنده المرأة المسنّة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل فنزلت الآية .

وجاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب فسأله عن هذه الآية فقال : يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذذها فتكره فراقه ، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له ، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج . وورد غير ذلك من الروايات بما يبيّن حكم النشوز من قبل الرجل إذا نفر من زوجته لدمامة أو سوء خلق أو غير ذلك ففكر في طلاقها . والآية تدل بوضوح على أن الصلح خير من الطلاق وهو أبغض الحلال إلى الله ، وحقيقة الصلح عند ظهور النشوز أن يتصالح الزوجان على أن يترك كل واحد منهما بعض حقه رغبة في البقاء والاستبقاء ورغبة عن التباعد والفراق .

ولا يخلو النص من تحضيض واضح على المصالحة فيما يجود كل واحد من الزوجين بشيء من نصيبه وحقه للآخر بغية الالتئام وصونا للأسرة أن تتداعى . فيقول سبحانه ( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ) وقوله : ( صلحا ) منصوب على المصدر . والتقدير : فيصلح الأمر صلحا . وهو فيه تأكيد على أهمية هذه الحقيقة المرغوبة المشروعة وهي الصلح . فإنها سبيل المودّة وإذهاب للحقد والمباغضة من القلوب لكي تستقيم الحياة ويأتلف الزوجان والأسرة في عيش ودود كريم .

وقوله : ( والصلح خير ) الصلح اسم من المصالحة وهي وسيلة التراضي وفضّ الخصام مع ما يصاحب ذلك من زوال الكراهية والبغضاء . وقد ورد أن الصلح خير من التقاضي ، فإن الأخير لا تخلو فيه القلوب من امتضاض وامتعاض لما في التقاضي من إجهاز ملزم على الموافقة في تراض ، لكن الصلح دليل الرضى الاطمئنان ، وهو وسيلة التفاهم الذي تتبدد من خلاله بواعث القطيعة والأثرة . فلا ريب أن الصلح كله خير . فهو خير بإطلاق بمعنى أنه طريق الخير وهو ما يتحقق به الخير في مختلف الوجوه . أو أن الصلح خير من الطلاق كما قيل في تفسير الآية .

ويتحقق الصلح بين الزوجين إذا ما تخلى كل منهما عن جزء من حقه للآخر وفي ذلك دلالة السخاء وحسن الخلق وطرد الخسيس من الأنانية في النفس . فالزوجة تعفي زوجها من أن يجد نفسه مجبرا نحوها على المبيت أو المواقعة أو ما شابه ذلك مما تعافه نفسه ولا تطيقه لدمامة فيها أو سوء طبع أو خلق . وكذلك الزوج يظل يؤوي إليه زوجته فلا يطلّقها لما في ذلك من كراهة . وفي ذلك روى أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " وبهذا التسامح أو التنازل عن بعض الحق من كلا الزوجين يتم الصلح وهو خير من الفراق .

ولعل وهما يراود أحدا في تصوره وفهمه حول إسقاط المرأة حقها في المبيت أو العشرة بدل استبقائها في البيت بغير فراق . وقد يرى الواهم في ذلك ضربا من الحيف ، وما هو بحيف وليس فيه شيء من ميل أو ظلم ، لكنه العدل المطلق في أجلى صوره . بل إنه المراعاة الحقيقية الكاملة لطبيعة الإنسان سواء كان ذكرا أو أنثى ، ويكشف عن ذلك سببان :

أولهما : أن الزوجة مخيّرة بين أمرين ، فإما المفارقة وإما التغاضي عن جزء من حقها فهي ليست مجبرة على شيء من ذلك إجبارا . وعوضا عن ذلك يتغاضى الرجل عن جزء من حقه في وقوع الطلاق فلا يوقعه لما بينا . فليس من حيف أو ميل مادام الأمر على التخيير .

ثانيهما : أن المسألة تكشف عن المراعاة التامة والمطلقة للفطرة البشرية . وهي مراعاة فذّة لا تتحقق في غير هذا الدين الذي يلائم طبيعة الإنسان ويوائم جبلّته التي جاء عليها ، وذلك من حيث النوازع والرغائب والاستعدادات التي فطر عليها الإنسان ، وهي أساسيات نفسية عميقة لا تملك الأسباب والوسائل طمسها أو إزالتها مهما تعددت في ذلك أقوال المتحذلقين من مصطنعي التربية وأصحاب النظريات الكاثرة المتهافتة في السلوك .

والذي نقصد أن نقوله هو أن الرجل قد يُبتلى بانتكاسة من نفور محض نحو زوجته لسبب من دمامة أو طبع أو خلق بغيض . فما الحكم بعد ذلك ؟ فهل نحكم على الرجل بدوام الاحتمال في صبر وفي أناة ثم نكلفه أن يصطنع المحبة اصطناعا عن قسر وإكراه ؟ ! هل نظل نحمله على المحبّة حملا وهو لا يستطيع ، أو نفرض عليه الرغبة والميل من حيث يبغض ويستنكف ؟ لئن وقع شيء من ذلك فتلك خطيئة بحق الرجل ؛ لما في ذلك من القهر المشين ، أو لما في ذلك من إرهاق عسير يحيق به فلا يطيقه ولا يحتمله . لكن السبيل إلى الخلاص عن مثل هذا المأزق النفسي أن يُدعى كل من الزوجين إلى الصلح ( والصلح خير ) لما في ذلك من تنازل معتدل من كل منهما عن بعضه حقه حتى تظل الزوجية صائرة إلى حيث يريد الله لها أن تصير .

وقوله : ( وأحضرت الأنفس الشح ) الأنفس نائب فاعل مرفوع ، والشح مفعول به ثان منصوب وهو يعني البخل والحرص . وهذا البيان من الله غاية في الكشف عن طبيعة الإنسان من حيث حبه لنفسه وتفضيله لمصالحه وشؤونه على الآخرين وتلك هي الأنانية . وهي تخليق مفطور جاء عليه الإنسان بلا مندوحة . والأنفس قد خالطها الشح منذ البداية فهو قد حضرها حضورا أو هو متأصل فيها كالمشهود المحسّ الذي لا يغادر ولا يبارح لعظيم مخالطته ومداخلته .

وتظل الكلمات التي تأخذ على عاتقها التبيين والتفسير تحوم من حول العبارة القرآنية الرائعة الفذّة فلا تعطي من الدلالة مثل ما تعطيه ( وأحضرت الأنفس الشح ) تظل الكلمات البشرية الموضحة ترفرف من حول هذه العبارة الربانية وما تبلغ إلا جزءا هينا يسيرا مما بلغته العبارة الكريمة من إعطاء للمقصود من خلال ألفاظ قليلة جاءت على نحو فريد معيّن من متانة الصوغ المؤثر العجيب . وفي ذلكم دلالة من دلالات عديدة على إعجازية هذا الكلام الحكيم .

وفي الآية دعوة للزوجين المتناشزين أو اللذين نشز أحدهما أن يبوء كلاهما إلى الصواب ، وهي المصالحة التي تتحقق بإسقاط كل منهما لجزء مما له على الآخر لتزول عن الزوجية لائحة الفرقة التي تلوح في أفق البيت ، ولتعود لهما وللأسرة حياة تموج بالتعاطف والود . إن على الزوج ألا يضن بالبذل أو التغاضي عما له من حق إذا التمست منه الزوجة عدم تطليقها . وأن على الزوجة كذلك ألا تضن بالتغاضي عن حقها في العشرة والمسيس إذا وجدت من بعلها نفورا قد نضبت معه بواعث الرغبة لدمامة أو شيخوخة أو نحو ذلك مما لا يملك الرجل معه أن يجبر نفسه على المحبّة والرغبة في المسيس إجبارا .

في الآية تأكيد على نبذ الشح ما أمكن واطراحه من النفس اطّراحا بعد مجاهدته من خلال مكابدة وترويض إلى أن تتخلص النفس من هذه اللوثة المستحكمة المستعصية قدر المستطاع .

وقوله : ( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) . ذلك ترغيب للأزواج في أن يكبحوا ما في نفوسهم من جنوح لغيرهن ورغبة عنهن بسبب افتقادهن للجمال أو المال أو غير ذلك ، وفي أن يحتملوا مشقة الصبر على البقاء معهن في عدل ووفاء وفي معاشرتهن بالمعروف ومساواتهن بغيرهن من الزوجات إن كن موجودات دون ميل عنهن أو نفور . وتلك شيمة الأزواج الكرام الذي يعاملون زوجاتهم بالحسنى والذين يظلّون على تقوى من الله فيربأون بأنفسهم عن نوازع الشهوة اللجوح وضواغطها الثقال . والله جلت قدرته مطلع على ما يفعله الرجال الأبرار حيال زوجاتهم من خير وإحسان ، فلا يظلمونهن ولا يؤثرون عليهن في حق من الحقوق ولا يميلون عنهن لسبب من أسباب النفس الضعيفة التي تتوق في الغالب إلى الاستمتاع والشهوة .