في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} (17)

وإنه سيأتي البشر من كل جهة : ( من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) . . للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة . . وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم ، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه ، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب :

( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) . .

ويجيء ذكر الشكر ، تنسيقا مع ما سبق في مطلع السورة : ( قليلاً ما تشكرون ) . . لبيان السبب في قلة الشكر ؛ وكشف الدافع الحقيقي الخفي ، من حيلولة إبليس دونه ، وقعوده على الطريق إليه ! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى ؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين !

/خ25

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} (17)

ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد ، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى ، أشار إليه بحرف التراخي فقال{[32023]} مؤكداً : { ثم لآتينهم } أي إتياناً لا بد لي منه كائناً ابتداؤه { من بين أيديهم } أي مواجهة ، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون{[32024]} أنه خطأ { و{[32025]} } كائناً { من خلفهم } أي مغافلة ، فيعملون{[32026]} ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم{[32027]} بذلك على تعاطي مثله وهم لا{[32028]} يشعرون { وعن } أي ومجاوزاً للجهة{[32029]} التي عن{[32030]} { أيمانهم } إليهم { وعن } أي ومجاوزاً لما عن { شمائلهم } أي مخايلة ، فيفعلونه وهو{[32031]} مشتبه عليهم ، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها ، ولعل فائدة " عن " {[32032]} المفهمة للمجاوزة{[32033]} وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعباً لجميع الجهة المحيطة ، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئاً منه وما هو مشتبه عليهم{[32034]} اشتباهاً قليلاً أو كثيراً ، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة ، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي الله عنه{[32035]} .

ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة{[32036]} من الإنظار{[32037]} ونحوه ، ظن أنه{[32038]} بما رأى لهم من الشهوات والحظوظ{[32039]} يظفر بأكثر{[32040]} حاجته ، فقال عاطفاً{[32041]} على تقديره : فلأغوينهم وليتبعنني : { ولا تجد أكثرهم } كما هي عادة الأكثر في الخبث { شاكرين* } فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد ، ولو أريد بالشقي{[32042]} الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب{[32043]} أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعاً لمقام الربوبية وذلاً لعظيم شأنه .


[32023]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32024]:- من ظ، وفي الأصل: يعملون.
[32025]:- تأخر في الأصل عن "كائنا" والترتيب من ظ.
[32026]:- من ظ، وفي الأصل: فيعلمون.
[32027]:- وفي ظ: فادريه-كذا.
[32028]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32029]:- من ظ، وفي الأصل: لجهة.
[32030]:- من ظ، وفي الأصل: على.
[32031]:- من ظ، وفي الأصل: هم.
[32032]:-في ظ: من.
[32033]:- من ظ، وفي الأصل: بالمجاوزة.
[32034]:- في ظ: عليه
[32035]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32036]:- في ظ: متيسرة.
[32037]:- في ظ: الانتظار.
[32038]:- سقط من ظ.
[32039]:- زيد من ظ: أنه.
[32040]:- من ظ، وفي الأصل: الجنة.
[32041]:- في ظ: عطفا.
[32042]:- من ظ، وفي الأصل: بالشقا.
[32043]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} (17)

قوله : { ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمالهم } تأويل ذلك : أن إبليس سوف يسول لبني آدم الكفر والعصيان بكل صوره وأشكاله . ولسوف يزين لهم الضلال والباطل بكل الأسباب والوسائل وبمختلف طرقه وأساليب في التزيين والإغراء والإغواء ليودي بهم في النهاية إلى الجحيم فيكونوا شركاءه في النار ؛ إذ يلتقي الكافرون الظالمون في جموع حاشدة كاثرة وهم من مجرمي الجن والإنس ليكونوا جميعا في خندق الخزي والعذاب . إن إبليس يتدسس إلى بني آدم من كل مكان أو موقع ، ومن كل جهة أو ناحية ، ومن كل سبيل أو درب ليستنفر في كيانهم نزعة الشر ، وليستثير فيهم الشهوات والغرائز فيميلوا كل الميل فإذا هم منزلقون في هاوية الضلال والباطل .

وقيل : المراد بقوله : من بين أيديهم : من الدنيا ، ومن خلفهم : من الآخرة ، وعن أيمانهم ، من قبل الحق ، وعن شمائلهم : من قبل الباطل .

أما إتيانهم من قبل الدنيا ، فهو أن يدعوهم إلى لذائذها ومباهجها وزيتنها وكفى : فيرغبون فيها عما سواها . وأما إتيانهم من قبل الآخرة فهو أن يشككهم فيها ليرتابوا في قيام الساعة فيكونوا في زمرة الجاحدين الكافرين . وأما إتيانهم من قبل الحق أو الحسنات فهو أن يزهدهم فيها . وإتيانهم من قبل الباطل أو السيئات فهو ترغيبهم في الاستغراق في الباطل والاستكثار من السيئات والمعاصي .

قوله : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } أي لا تجد أكثر بني آدم موحدين لك أو ذائعين لأمرك أو شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم . وذلك بسبب إغوائهم ، وإزلاقهم في الخطيئة والعصيان . ولقد قال ذلك إبليس على سبيل الظن ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } كذلك كان ظن إبليس في ابن آدم ؛ إذ يعلم مبلغه من الضعف . ضعف العزيمة والإرادة والاحتمال . ويعلم من فطرته المركوزة في عميق كيانه انه نزاع للشهوات فلا تهفو نفسه أو تصبو في الغالب إلا الرغائب الجسد من الطعام والشراب والزينة والاستمتاع والتلذذ بمختلف اللذائذ . وهو لا يضبطه دون الإسراف في ذلك ضابط مقتدر إلا أن يركن إلى عقله المتدبر البصير . ولا يتحقق ذلك إلا قليلا . فوازع العقل في معترك الملذات واستمتاع الأجساد بالغ الضعف والهوان في مقابلة الدوافع المتأججة للغرائز والشهوات . ومن هنا وجد إبليس ضالته في الاقتدار على إغواء الإنسان . أعاذنا الله من إغواء إبليس وجنوده عوذا .