وبعد موقف الإشهاد ورفض ما يقررونه من المحرمات ، يلقي إليهم بالمقررات الإلهية التي تتضمن ما حرمه الله حقاً . . وسنجد إلى جانب ما حرمه بعض التكاليف الإيجابية التي لها مقابل محرم . وهذه المحرمات تبدأ بالمحرم الأول . . وهو الشرك بالله . . لأن هذه هي القاعدة الأولى التي يجب أن تتقرر ، لتقوم عليها المحرمات والنواهي ، لمن استسلم لها وأسلم :
( قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : ألا تشركوا به شيئاً . وبالوالدين إحسانا ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ، نحن نرزقكم وإياهم . ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . . ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، حتى يبلغ أشده ، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا - ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا . . ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون . وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) . . .
وننظر في هذه الوصايا - التي ترد في السياق بمناسبة الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار وأوهام الجاهلية وتصوراتها وتصرفاتها - فإذا هي قوام هذا الدين كله . . إنها قوام حياة الضمير بالتوحيد ، وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة ، وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات ، وقوام حياة الإنسانية وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات ، مرتبطة بعهد الله ، كما أنها بدئت بتوحيد الله . .
وننظر في ختام هذه الوصايا ، فإذا الله - سبحانه وتعالى - يقرر أن هذا صراطه المستقيم ؛ وكل ما عداه سبل تتفرق بالناس عن سبيله الواصل . . الوحيد . .
إنه أمر هائل هذا الذي تتضمنه الآيات الثلاث . . أمر هائل يجيء في أعقاب قضية تبدو كأنها لمحة جانبية من الجاهلية ؛ ولكنها في الحقيقة هي قضية هذا الدين الأساسية ؛ بدلالة ربطها بهذه الوصايا الهائلة الكلية . .
( قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) . .
قل : تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم - لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم - ! لقد حرمه عليكم ( ربكم ) الذي له وحده حق الربوبية - وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية - وإذن فهو اختصاصه ، وموضع سلطانه . فالذي يحرم هو " الرب " والله هو وحده الذي يجب أن يكون ربا . .
القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة ؛ وترجع إليها التكاليف والفرائض ، وتستمد منها الحقوق والواجبات . . القاعدة التي يجب أن تقوم أولاً قبل الدخول في الأوامر والنواهي ؛ وقبل الدخول في التكاليف والفرائض ، وقبل الدخول في النظام والأوضاع ؛ وقبل الدخول في الشرائع والأحكام . . يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم ؛ لا يشركون معه أحداً في ألوهيته ، ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته كذلك . يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار ؛ ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين ؛ ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء . .
إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك ، وتنقية العقل من أوشاب الخرافة ، وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية ، وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد . .
إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم . وهو المنكر الأول الذي يجب حشدالإنكار كله له ؛ حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله ، ولا رب لهم إلا الله ، ولا حاكم لهم إلا الله ، ولا مشرع لهم إلا الله . كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله . .
وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر ، من عبادة أو خلق أو عمل . .
من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة :
وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا ، لنعلم ماذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه :
( قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ، والذين لا يؤمنون بالآخرة ، وهم بربهم يعدلون ) . .
يجب أن نذكر هذه الآية ، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً . . إنه الشرك في الاعتقاد ، كما أنه الشرك في الحاكمية . فالسياق حاضر ، والمناسبة فيه حاضرة . .
ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر ، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية ، قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة ، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي ! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام ، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية ؛ أولاستنكار انحلال أخلاقي ؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية . ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية ، وموقعها من العقيدة الإسلامية ! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية ، ولا يستنكرون المنكر الأكبر ؛ وهو قيام الحياة في غير التوحيد ؛ أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية . .
إن الله قبل أن يوصي الناس أي وصية ، أوصاهم ألا يشركوا به شيئا . في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا !
إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة ، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط ؛ وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية . . فلا تظل نهباً لريح الشهوات والنزوات ، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات . .
( وبالوالدين إحسانا . ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) . .
إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في الله ووحدة الاتجاه - ولقد علم الله - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء . فأوصى الأبناء بالآباء ، وأوصى الآباء بالأبناء ؛ وربط الوصية بمعرفة ألوهيته الواحدة ، والارتباط بربوبيته المتفردة . وقال لهم : إنه هو الذي يكفل لهم الرزق ، فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما ؛ ولا تجاه الأولاد في ضعفهم ، ولا يخافوا الفقر والحاجة فالله يرزقهم جميعاً . .
( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) . .
ولما وصاهم الله بالأسرة ، وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدةالنظافة والطهارة والعفة . فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها . . فهو نهي مرتبط تماماً بالوصية السابقة عليها . . وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا .
إنه لا يمكن قيام أسرة ، ولا استقامة مجتمع ، في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع . والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع .
والفواحش : كل ما أفحش - أي تجاوز الحد - وإن كانت أحيانا تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا . ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا الموضع . لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها ، فتكون هذه واحدة منها بعينها . وإلا فقتل النفس فاحشة ، وأكل مال اليتيم فاحشة ، والشرك بالله فاحشة الفواحش . فتخصيص( الفواحش )هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق . وصيغة الجمع ، لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها . فالتبرج ، والتهتك ، والاختلاط المثير ، والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة ، والإغراء والتزيين والاستثارة . . . كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة . وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن . منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح . منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف ! وكلها مما يحطم قوام الأسرة ، وينخر في جسم الجماعة ، فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد ، ويحقر من اهتماماتهم ، ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد .
ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية ، كان التعبير : ولا تقربوا . . للنهي عن مجرد الاقتراب ، سداً للذرائع ، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة . . لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة . ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراماً ، وكانت الحركات المثيرة ، والضحكات المثيرة ، والإشارت المثيرة ، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة . . فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة ! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود ، ويوقع العقوبات . وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح . وربك أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير
وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين ، وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة ، من يزينون للناس الشهوات ، ومن يطلقون الغرائر من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام !
( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) . .
ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة : الشرك ، والزنا ، وقتل النفس . . ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة ! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة ؛ والثانية جريمة قتل للجماعة ، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة . . إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة . والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة ، منتهية حتماً إلى الدمار . والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية . شواهد من التاريخ . ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبىء بالمصير المرتقب لأمم ينخرفيها كل هذا الفساد . والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات ، مجتمع مهدد بالدمار . ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات ، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار .
ولقد سبق النهي عن قتل الأولاد من إملاق . فالآن ينهى عن قتل( النفس )عامة . فيوحي بأن كل قتل فردي إنما يقع على جنس( النفس )في عمومه . تؤيد هذا الفهم آية : ( . . . أنه من قتل نفساً ، بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) . . فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها ، وعلى النفس البشرية في عمومها . وعلى هذه القاعدة كفل الله حرمة النفس ابتداء . وهناك طمأنينة الجماعة المسلمة في دار الإسلام وأمنها ، وانطلاق كل فرد فيها ليعمل وينتج آمناً على حياته ، لا يُؤذى فيها إلا بالحق . والحق الذي تؤخذ به النفس بينه الله في شريعته ، ولم يتركه للتقدير والتأويل . ولكنه لم يبينه ليصبح شريعة إلا بعد أن قامت الدولة المسلمة ، وأصبح لها من السلطان ما يكفل لها تنفيذ الشريعة !
وهذه اللفتة لها قيمتها في تعريفنا بطبيعة منهج هذا الدين في النشأة والحركة . فحتى هذه القواعد الأساسية في حياة المجتمع ، لم يفصلها القرآن إلا في مناسبتها العملية .
وقبل أن يمضي السياق في بيان المحرمات والتكاليف ، يفصل بين هذا القسم والذي يليه بإبراز وصية الله وأمره وتوجيهه :
( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) .
وهذا التعقيب يجيء وفق المنهج القرآني في ربط كل أمر وكل نهي بالله . تقريرا لوحدة السلطة التي تأمر وتنهى في الناس ، وربطاً للأوامر والنواهي بهذه السلطة التي تجعل للأمر والنهي وزنه في ضمائر الناس !
كذلك تجيء فيه الإشارة إلى التعقل . فالعقل يقتضي أن تكون هذه السلطة وحدها هي التي تعبد الناس لشرعها . وقد سبق أنها سلطة الخالق الرازق المتصرف في حياة الناس !
وهذا وذلك فوق ما في الطائفة الأولى من التجانس . وما بين الطائفة الثانية كذلك من التجانس . فجعل هذه في آية ، وتلك في آية ، وبينهما هذا الإيقاع .
الفواحش : مفردها فاحشة ، وهي كل ما قبح من الأقوال والأفعال .
يبلغ أشُده : تكتمل قواه العقلية والجسمية ببلوغ سن الرشد .
لا تتبعوا السُبل : لا تحيدوا عن تعاليم الإسلام فتخسروا .
بعد أن بين الله لعباده جميع ما حرّم عليهم من الطعام ، وذكر حجته البالغة على المشركين ، لتحريمهم ما لم يحرّمه الله ، ثم دحض شُبهتهم التي احتجوا بها على شِركهم بربهم ، جاء بهذه الآيات الثلاث فيها تبيان أصول المحرمات في الأقوال والأفعال ، وأصول الفضائل وأنواع البر . وقد عبر عنها بعض المفسرين بالوصايا العشر .
قل لهم أيها النبي : تعالوا أبيّن لكم المحرمات التي ينبغي أن تهتموا بها وتبتعدوا عنها :
1- لا تجعلوا لله شريكاً ما ، بأي نوعٍ كان من أنواع الشرك .
2- وأحسنِوا إلى الوالدين غاية الإحسان والبر .
3- ولا تقتلوا أولادكم بسبب فقرٍ نزل بكم ، فلستم ، أنتم الرازقين ، بل نحن الذين نرزقكم ونرزقهم .
4- وابتعِدوا عن كل ما عظم قُبحه من الأعمال . وقد جاءت كلمات فاحشة وفحشاء وفواحش في كثير من الآيات ، من ذلك قوله تعالى : { إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشاء والمنكر } وقوله : { إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } . { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } . { يا نساء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } فكل عمل قبيح هو فاحشة . وقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : «لا أحدٌ أَغْيرُ من الله ، من أجل ذلك حرّم الفواحش : ما ظَهر منها وما بطَن » .
5- { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } ، يعني إذا استحق القاتل ذلك . وفي الحديث الشريف «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأمور ثلاثة : كفرٌ بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق » .
{ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ، أمركم الله تعالى أمراً مؤكّدا باجتناب هذه المنهيات لتعقلوا ذلك .
الأولى - قوله تعالى : " قل تعالوا أتل " أي تقدموا واقرؤوا حقا يقينا كما أوحى إلي ربي ، لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم . ثم بين ذلك فقال " ألا تشركوا به شيئا " يقال للرجل : تعال ، أي تقدم ، وللمرأة تعالي ، وللاثنين والاثنتين تعاليا ، ولجماعة الرجال تعالوا ، ولجماعة النساء تعالين . قال الله تعالى : " فتعالين أمتعكن{[6862]} " [ الأحزاب : 28 ] . وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع ؛ لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال ، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم ، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي . قاله ابن الشجري .
الثانية - قوله تعالى : " ما حرم " الوجه في " ما " أن تكون خبرية في موضع نصب ب " أتل " والمعنى : تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم ، فإن علقت " عليكم " " بحرم " فهو الوجه ؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين . وإن علقته ب " أتل " فجيد لأنه الأسبق ، وهو اختيار الكوفيين ، فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم . " ألا تشركوا " في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول ، أي أتل عليكم ألا تشركوا ، أي أتل عليكم تحريم الإشراك ، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في " عليكم " من الإغراء ، وتكون " عليكم " منقطعة مما قبلها ؛ أي عليكم ترك الإشراك ، وعليكم إحسانا بالوالدين ، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش . كما تقول : عليك شأنك ، أي الزم شأنك . وكما قال : " عليكم أنفسكم{[6863]} " [ المائدة : 105 ] قال جميعه ابن الشجري . وقال النحاس : يجوز أن تكون " أن " في موضع نصب بدلا من " ما " ؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك . واختار الفراء أن تكون " لا " للنهي ؛ لأن بعده " ولا " .
الثالثة - هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله . وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل . قال الله تعالى : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[6864]} " [ آل عمران : 187 ] . وذكر ابن المبارك : أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال : قال ربيع بن خيثم{[6865]} لجليس له : أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها ؟ قال نعم . قال فاقرأ " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات . وقال كعب الأحبار : هذه الآية مفتتح{[6866]} التوراة : ( بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) الآية . وقال ابن عباس : هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة " آل عمران{[6867]} " أجمعت عليها شرائع الخلق ، ولم تنسخ قط في ملة . وقد قيل : إنها العشر كلمات المنزلة على موسى .
الرابعة - قوله تعالى : " وبالوالدين إحسانا " الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما . و " إحسانا " نصب على المصدر ، وناصبه فعل مضمر من لفظه ، تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا .
الخامسة - قوله تعالى : " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق " الإملاق الفقر : أي لا تئدوا من الموؤودة{[6868]} - بناتكم خشية العيلة ، فإني رازقكم وإياهم . وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر ، كما هو ظاهر الآية . أملق أي افتقر . وأملقه أي أفقره ، فهو لازم ومتعد . وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال : الإملاق الجوع بلغة لخم . وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق . يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه . وذكر أن عليا رضي الله عنه{[6869]} قال لامرأته : أملقي من مالك ما شئت . ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه . فالملق لفظ مشترك يأتي{[6870]} بيانه في موضعه .
السادسة - وقد يستدل بهذا من يمنع العزل ؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل ، والعزل منع أصل النسل فتشابها ، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا ؛ ولذلك قال بعض علمائنا : إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل : ( ذلك الوأد الخفي ) الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم . وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ؛ لقوله عليه السلام : ( لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر ) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا . وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل . والتأويل الأول أولى ؛ لقوله عليه السلام : ( إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ) . قال مالك والشافعي : لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها{[6871]} . وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذاتها ، ومن حقها في الولد ، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين ، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها ، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر .
السابعة - قوله تعالى : " ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن " نظيره " وذروا ظاهر الإثم وباطنه{[6872]} " [ الأنعام : 120 ] . فقوله : " ما ظهر " نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي . " وما بطن " ما عقد عليه القلب من المخالفة . وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء . و " ما ظهر " نصب على البدل من " الفواحش " . " وما بطن " عطف عليه .
الثامنة - قوله تعالى : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " الألف واللام في " النفس " لتعريف الجنس ، كقولهم : أهلك الناس حب الدرهم والدينار . ومثله " إن الإنسان خلق هلوعا{[6873]} " [ المعارج : 19 ] ألا ترى قول سبحانه : " إلا المصلين " ؟ وكذلك قوله : " والعصر إن الإنسان لفي خسر{[6874]} " [ العصر : 1 ، 2 ] لأنه قال : " إلا الذين آمنوا " وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة ، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها . قال رسول الله صلى : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ما له ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله ) . وهذا الحق أمور : منها منع الزكاة وترك الصلاة ، وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة . وفي التنزيل " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم{[6875]} " [ التوبة : 5 ] وهذا بين . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) . وقال عليه السلام : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ){[6876]} . أخرجه مسلم . وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) . وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " {[6877]} . وفي التنزيل : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا{[6878]} " [ المائدة : 33 ] الآية{[6879]} . وقال : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا{[6880]} " [ الحجرات : 9 ] الآية . وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل . فهذا معنى قوله : " إلا بالحق " . وقال عليه السلام : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين ) . وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قتل معاهدا في غير كنهه{[6881]} حرم الله عليه الحنة " . وفي رواية أخرى لأبي داود قال : ( من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما ) . في البخاري في هذا الحديث ( وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ) . خرجه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص .
التاسعة - قوله تعالى : " ذلكم " إشارة إلى هذه المحرمات . والكاف والميم للخطاب ، ولا حظ لهما من الإعراب . " وصاكم به لعلكم تعقلون " الوصية الأمر المؤكد المقدور . والكاف والميم محله النصب ؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة . وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله . وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال : علام تقتلوني ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانه{[6882]} فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل ) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به{[6883]} ، ولا ارتددت منذ أسلمت ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون !