ثم في النهاية ، ذلك التوبيخ والتأنيب من الله تعالى ، الذي كذبوا عليه ، وها هم أولاء بين يديه ، يواجههم في موقف الكربة والضيق :
( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) !
فما معكم إلا ذواتكم مجردة ؛ ومفردة كذلك . تلقون ربكم أفرادا لا جماعة . كما خلقكم أول مرة أفرادا ، ينزل أحدكم من بطن أمة فردا عريان أجرد غلبان !
ولقد ند عنكم كل شيء ، وتفرق عنكم كل أحد ؛ وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم الله إياه ؛ ( وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) . .
تركتم كل شيء من مال وزينة ، وأولاد ومتاع ، وجاه وسلطان . . كله هناك متروك وراءكم ، ليس معكم شيء منه ، ولا تقدرون منه على قليل أو كثير !
( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) . .
هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد ، وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم ، وتقولون : إنهم سيكونون عند الله شفعاءكم [ كالذين كانوا يقولون : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ! ) ] سواء كانوا ناسا من البشر كهانا أو ذوي سلطان ؛ أو كانوا تماثيل من الحجر ، أو أوثانا ، أو جنا أو ملائكة ، أو كواكب أو غيرها مما يرمزون به إلى الآلهة الزائفة ، ويجعلون له شركا في حياتهم وأموالهم وأولادهم كما سيجيء في السورة .
فأين ؟ أين ذهب الشركاء والشفعاء ؟
تقطع كل شيء . كل ما كان موصولا . كل سبب وكل حبل !
( وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) . .
وغاب عنكم كل ما كنتم تدعونه من شتى الدعاوى . ومنها أولئك الشركاء ، وما لهم من شفاعة عند الله أو تأثير في عالم الأسباب !
إنه المشهد الذي يهز القلب البشري هزا عنيفا . وهو يشخص ويتحرك ؛ ويلقي ظلاله على النفس ، ويسكب إيحاءاته في القلب ، ظلاله الرعيبة المكروبة ، وإيحاءاته العنيفة المرهوبة . .
قوله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى " هذه عبارة عن الحشر و " فرادى " في موضع نصب على الحال ، ولم ينصرف لأن فيه ألف تأنيث . وقرأ أبو حيوة " فرادا " بالتنوين وهي لغة تميم ، ولا يقولون في موضع الرفع فراد . وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بلا تنوين ، قال : مثل ثلاث ورباع . و " فرادى " جمع فردان كسكارى جمع سكران ، وكسالى جمع كسلان . وقيل : واحده " فرد " بجزم الراء ، و " فرد " بكسرها ، و " فرد " بفتحها ، و " فريد " . والمعنى : جئتمونا واحدا واحدا ، كل واحد منكم منفردا بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغي ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله . وقرأ الأعرج{[6572]} " فردى " مثل سكرى وكسلى بغير ألف . " كما خلقناكم أول مرة " أي منفردين كما خلقتم . وقيل : عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة غرلا بهما{[6573]} ليس معهم شيء . وقال العلماء : يحشر العبد غدا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد ، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة عليه . وهذا معنى قوله : " غرلا " أي غير مختونين ، أي يرد عليهم ما قطع منه عند الختان .
قوله تعالى : " وتركتم ما خولناكم " أي أعطيناكم وملكناكم . والخول : ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم{[6574]} . " وراء ظهوركم " أي خلفكم . " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء " أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي . وكان المشركون يقولون : الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده . " لقد تقطع بينكم " قرأ نافع والكسائي وحفص بالنصب على الظرف ، على معنى لقد تقطع وصلكم بينكم . ودل على حذف الوصل قوله " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم " . فدل هذا على التقاطع والتهاجر بينهم وبين شركائهم : إذ تبرؤوا منهم ولم يكونوا معهم . ومقاطعتهم لهم هو تركهم وصلهم لهم ، فحسن إضمار الوصل بعد " تقطع " لدلالة الكلام عليه . وفي حرف ابن مسعود ما يدل على النصب فيه وهذا لا يجوز فيه إلا النصب ، لأنك ذكرت المتقطع وهو " ما " . كأنه قال : لقد تقطع الوصل بينكم . وقيل : المعنى لقد تقطع الأمر بينكم . والمعنى متقارب . وقرأ الباقون " بينكم " بالرفع على أنه اسم غير ظرف ، فأسند الفعل إليه فرفع . ويقوي جعل " بين " اسما من جهة دخول حرف الجر عليه في قوله تعالى : " ومن بيننا وبينك حجاب " {[6575]} [ فصلت : 5 ] و " هذا فراق بيني وبينك{[6576]} " [ الكهف : 78 ] . ويجوز أن تكون قراءة النصب على معنى الرفع ، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا منصوبا وهو في موضع رفع ، وهو مذهب الأخفش ، فالقراءتان على هذا بمعنى واحد ، فاقرأ بأيهما شئت . " وضل عنكم " أي ذهب . " ما كنتم تزعمون " أي تكذبون به في الدنيا . روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث . وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " فقالت : يا رسول الله ، واسوءتاه ! إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض ) . وهذا حديث ثابت في الصحيح أخرجه مسلم بمعناه .
قوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } فرادى في محل نصب حال . ولا ينصرف ، لأن في آخره ألف التأنيث . وفرادى جمع ومفرده فردان . مثل سكارى وسكران . وكسالى وكسلان ، وقيل : فرادى جمع فريد . وقيل : جمع وواحده : فرد . والكاف في { كما } في محل نصب وصف لمصدر محذوف . وتقديره : لقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة{[1219]} والمعنى : أنكم جئتمونا إلى الحشر وحدانا . أي واحدا واحدا ليس معكم مال ولا أعوان ولا شفعاء بل جئتمونا حفاة عراة غرُلا كما خرجتم من بطون أمهاتكم ليس معكم شيء ، لا أهل ولا ولد ولا ناصر .
قوله : { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } خولناكم : أعطيناكم وملكناكم . خوله الله الشيء تخويلا ، ملكه إياه {[1220]} أي تركتم ما ملكناكم وما أعطيناكموه في الدنيا من المال والخدم وأصناف الخير والنعم التي شغلتم بها أنفسكم عن الآخرة . لقد تركتم ذلك كله خلفكم وجئتمونا اليوم آحادا بغير شيء تملكونه أو ينفعكم .
قوله : { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركؤا } نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث لقيله إن اللات والعزى يشفعان له عند الله يوم القيامة وقيل : كان ذلك قول سائر عبدة الأوثان . فرد الله بهذه الآية مقالتهم الباطلة وظنهم الواهم الكاذب بما يقرعهم تقريعا ويوبخهم توبيخا زيادة في التنكيل والتغليظ بهم . والمعنى أنكم أيها المشركون الظالمون الذين كنتم تتشبثون بشفاعة الأصنام لكم ، ها أنتم جئتمونا فرادى حيارى وجلين وليس معكم من نصير ولا شفيع يدرأ عنكم العذاب . ولم نر معكم أصنامكم التي اتخذتموها في الدنيا شركاء لله فعبدتموها وظننتم كاذبين أنها لكم شفعاء إذا ما قامت القيامة .
قوله : { لقد تقطع ببينكم } أي تقطع بينكم وصلكم . فوقع التهاجر والتقاطع بينكم وبين شركائكم الأصنام ، إذ تبرأوا منكم . وذهب ما كان بينكم من تواصل وتواد .
قوله : { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } أي ضاع وذهب عنكم شركاؤكم من الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم منجوكم وأنهم لكم شفعاء . فيومئذ لا ينفعوكم ولا يشفعون لكم . وليس إذ ذاك إلا النار وبئس القرار ، ولات حين مندم ولا شفاعة ولا مناص{[1221]} .