في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

55

ومن التحريض على القتال ينتقل السياق إلى بيان حكم الأسرى - بمناسبة تصرف الرسول [ ص ] والمسلمين في أسرى بدر - وإلى الحديث إلى هؤلاء الأسرى وترغيبهم في الإيمان وما وراءه من حسن العوض عما فاتهم وعما لحقهم من الخسارة في الموقعة :

( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم . فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ، واتقوا الله ، إن الله غفور رحيم ) .

( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى : إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم ، والله غفور رحيم . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ، والله عليم حكيم ) . .

قال ابن إسحاق - وهو يقص أخبار الغزوة - : " فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ، ورسول الله [ ص ] في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله [ ص ] متوشحاً السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله [ ص ] يخافون عليه كرة العدو ، ورأى رسول الله [ ص ] فيما ذكر لي ، في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس .

فقال له رسول الله [ ص ] : " والله لكأنك يا سعد تكره مايصنع القوم ! " قال : أجل والله يا رسول الله ، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال ! "

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم - قال : لما كان يومئذ التقوا ، فهزم الله المشركين ، فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً ، واستشار رسول الله [ ص ] أبا بكر وعمر وعلياً . فقال أبو بكر : يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان ؛ وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية ، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار ، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً . فقال رسول الله [ ص ] : " ما ترى يا ابن الخطاب ? " قال قلت : والله ما أرى رأي أبي بكر ، ولكني أرى أن تمكني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكن علياً من عقيل [ ابن أبي طالب ] فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم ! . . فهوى رسول الله - [ ص ] - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، وأخذ منهم الفداء . . فلما كان من الغد - قال عمر - فغدوت إلى النبي [ ص ] وأبي بكر وهما يبكيان . فقلت : ما يبكيك أنت وصاحبك ? فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما ! قال النبي [ ص ] : " للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء . لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة " - لشجرة قريبة من النبي [ ص ] - وأنزل الله عز وجل : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض )إلى قوله : ( فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً )فأحل لهم الغنائم . . . ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار اليماني .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن هاشم ، عن حميد ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : استشار النبي [ ص ] الناس في الأسارى يوم بدر ، فقال : " إن الله قد أمكنكم منهم " فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي [ ص ] ، فقال : " يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس " فقام عمر فقال : يا رسول الله ، اضرب أعناقهم . فأعرض عنه النبي [ ص ] ، فقال للناس مثل ذلك . فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء . قال : فذهب عن وجه رسول الله [ ص ] ما كان فيه من الغم ، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء . قال : وأنزل الله عز وجل : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) .

وقال الأعمش ، عن عمر بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله [ ص ] : " ما تقولون في الأسارى ? " فقال أبو بكر : يا رسول الله ، قومك وأهلك ، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم . . وقال عمر : يا رسول الله ، كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم . . وقال عبدالله بن رواحة : يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب . فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيه ! فسكت رسول الله [ ص ] فلم يرد عليهم شيئاً . ثم قام فدخل . فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر . وقال ناس : يأخذ بقول عمر . وقال ناس : يأخذ بقول عبدالله بن رواحة . ثم خرج عليهم رسول الله [ ص ] فقال : " إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم )وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام قال : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) . وإن مثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام قال : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) . وإن مثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ) . أنتم عالة فلا ينفكن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق " . قال ابن مسعود : قلت : يا رسول الله ، إلا سهيل ابن بيضاء فإنه يذكر الإسلام ! فسكت رسول الله [ ص ] فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع على ّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله [ ص ] " إلا سهيل بن بيضاء " . فأنزل الله عز وجل : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . . . )إلى آخر الآية . . . [ رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به ، والحاكم في مستدركه وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ] .

والإثخان المقصود : التقتيل حتى تضعف شوكة المشركين وتشتد شوكة المسلمين ، وهذا ما كان ينبغي قبل أن يكون للنبي والمسلمين أسرى يستبقونهم ويطلقونهم بالفدية كما حدث في بدر . فعاتب الله المسلمين فيه .

لقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين . وكان المسلمون ما يزالون قلة والمشركون ما يزالون كثرة . وكان نقص عدد المحاربين من المشركين مما يكسر شوكتهم ويذل كبرياءهم ويعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين . وكان هذا هدفاً كبيراً لا يعدله المال الذي يأخذونه مهما يكونوا فقراء .

وكان هنالك معنى آخر يراد تقريره في النفوس وتثبيته في القلوب . . ذلك هو المعنى الكبير الذي عبر عنه عمر رضي الله عنه في صرامة ونصاعة وهو يقول : " وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين " .

لهذين السببين البارزين نحسب - والله أعلم - أن الله - سبحانه - كره للمسلمين أن يأخذوا الأسرى يوم بدر وأن يفادوهم بمال . ولهذه الظروف الواقعية التي كان يواجهها النص - وهو يواجهها كلما تكررت هذه الظروف - قال الله تعالى :

( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) .

" ولذلك عرّض القرآن بالمسلمين الذين قبلوا الفداء في أسرى المعركة الأولى :

( تريدون عرض الدنيا ) . .

أي : فأخذتموهم أسرى بدل أن تقتلوهم ؛ وقبلتم فيهم الفداء وأطلقتموهم !

( والله يريد الآخرة ) . .

والمسلمون عليهم أن يريدوا ما يريد الله ، فهو خير وأبقى . والآخرة تقتضي التجرد من إرادة عرض الدنيا !

( والله عزيز حكيم ) . .

قدر لكم النصر ، وأقدركم عليه ، لحكمة يريدها من قطع دابر الكافرين( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (67)

فيه خمس مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " أسرى " جمع أسير ، مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى . ويقال في جمع أسير أيضا : أسارى ( بضم الهمزة ) وأسارى ( بفتحها ) وليست بالعالية . وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الإسار ، فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا . قال الأعشى :

وقيدني الشّعر في بيته *** كما قيد الآسراتُ الحمارا

وقد مضى هذا في سورة " البقرة{[7798]} " . وقال أبو عمر بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون ، والأسارى هم الموثقون ربطا . وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب .

الثانية - هذه الآية نزلت يوم بدر ، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم . والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان{[7799]} . ولهم هذا الإخبار بقوله " تريدون عرض الدنيا " . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية . هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الذي لا يصح غيره . وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة ، ولكنه عليه السلام شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات . والله أعلم . روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب ، وقد تقدم أول في " آل عمران{[7800]} " وهذا تمامه . قال أبو زميل : قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية ، فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ترى يا ابن الخطاب ) ؟ قلت : لا والله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكني من فلان ( نسيبا لعمر ) فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) ( شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم ) وأنزل الله عز وجل " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله تعالى : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " [ الأنفال : 69 ] فأحل الله الغنيمة لهم . وروى يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ) فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم . وقال عمر : كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ، قدمهم فأضرب أعناقهم . وقال عبد الله بن رواحة : انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم . فقال العباس وهو يسمع : قطعت رحمك . قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا . فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه . وقال أناس : يأخذ بقول عمر . وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة . ) . مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال " فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم{[7801]} " [ إبراهيم : 36 ] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى إذ قال " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم{[7802]} " [ المائدة : 118 ] . ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا{[7803]} " [ نوح : 26 ] . ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال " ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم{[7804]} " [ يونس : 88 ] أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ) . فقال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم . فأنزل الله عز وجل : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى آخر الآيتين . في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر ) . وروى أبو داود عن عمر قال : لما كان يوم بدر وأخذ - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - الفداء ، أنزل الله عز وجل " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله " لمسكم فيما أخذتم - من الفداء - عذاب عظيم " [ الأنفال :68 ] . ثم أحل الغنائم . وذكر القشيري أن سعد بن معاذ قال : يا رسول الله ، إنه أول وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحب إلي . والإثخان : كثرة القتل ، عن مجاهد وغيره . أي يبالغ في قتل المشركين . تقول العرب : أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ . وقال بعضهم : حتى يقهر ويقتل . وأنشد المفضل :

تصلّي الضحى ما دهرها بتعبد *** وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا

وقيل : " حتى يثخن " يتمكن . وقيل : الإثخان القوة والشدة . فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى : " فإما منا بعد وإما فداء{[7805]} " [ محمد : 4 ] على ما يأتي بيانه في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى . وقد قيل : إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك . وذلك كله عظيم الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه . والله أعلم .

الثالثة - أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : ( إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم ) . فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون . وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا . وقد مضى في " آل عمران{[7806]} " القول في هذا . وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون . وينشأ هنا إشكال وهي :

الرابعة - وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله " لمسكم " . فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك . ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط : أسيري يا رسول الله . وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه : شد عليه يدك ، فإن له أما موسرة . إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء . فلما تحصل الأسارى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عز وجل ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ . فمر عمر على أول رأيه في القتل ، ورأى أبو بكر المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء . ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر . وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير . فلم ينزل بعد على هذا شيء من تعنيت{[7807]} . والله أعلم .

الخامسة - قال ابن وهب : قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " . وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ورجعوا ، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا . وكان عدة من قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ، ومثلهم أسروا . وكان الشهداء قليلا . وقال أبو عمرو بن العلاء : إن القتلى كانوا سبعين ، والأسرى كذلك . وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهم . وهو الصحيح كما في صحيح مسلم ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . وذكر البيهقي قالوا : فجيء بالأسارى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا ، وهم سبعون في الأصل ، مجتمع عليه لا شك فيه . قال ابن العربي : إنما قال مالك " وكانوا مشركين " لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني مسلم . وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بك . وهذا كله ضعفه مالك ، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم وزيادة عليه أنهم غزوه في أحد . قال أبو عمر بن عبد البر : اختلفوا في وقت إسلام العباس ، فقيل : أسلم قبل يوم بدر ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( من لقي العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها ) . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : ( إن أناسا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها ) وذكر الحديث . وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر . وذكر أنه أسلم عام خيبر ، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين ، وكان يحب أن يهاجر فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا ) .


[7798]:راجع ج 2 ص 21.
[7799]:الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه، والمراد هنا : المبالغة في قتل الكفار.
[7800]:راجع ج 4 ص 193
[7801]:راجع ج 9 ص 368.
[7802]:راجع ج 6 ص 377
[7803]:راجع ج 18 ص 312.
[7804]:راجع ج 8 ص 374.
[7805]:راجع ج 16 ص 226.
[7806]:راجع ج 4 ص 193
[7807]:كذا في ج ، ك ، هـ ، وفي ا ، ب: تعنيته وفي ى: تعييب