( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ) . .
فأمام مثل هذا الخطر ، والموج يغشاهم كالظلل والفلك كالريشة الحائرة في الخضم الهائل . . تتعرى النفوس من القوة الخادعة ، وتتجرد من القدرة الموهومة ، التي تحجب عنها في ساعات الرضاء حقيقة فطرتها ، وتقطع ما بين هذه الفطرة وخالقها . حتى إذا سقطت هذه الحوائل ، وتعرت الفطرة من كل ستار ، استقامت إلى ربها ، واتجهت إلى بارئها ، وأخلصت له الدين ، ونفت كل شريك ، ونبذت كل دخيل . ودعوا الله مخلصين له الدين .
( فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ) . .
لا يجرفه الأمن والرخاء إلى النسيان والاستهتار إنما يظل ذاكرا شاكرا ، وإن لم يوف حق الله في الذكر والشكر فأقصى ما يبلغه ذاكر شاكر أن يكون مقتصدا في الأداء .
ومنهم من يجحد وينكر آيات الله بمجرد زوال الخطر وعودة الرخاء : ( وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) . . والختار الشديد الغدر ، والكفور الشديد الكفر ؛ وهذه المبالغة الوصفية تليق هنا بمن يجحد آيات الله بعد هذه المشاهد الكونية ، ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين .
{ وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين . . . }
كالظلل : الظلل جمع ظلة ، وهو ما يستظل به من جبل وسحاب وغيرها وقال الراغب الظلل السحابة تظل .
مقتصد : سالك للقصد السوي من التوحيد .
ختار : شديد الغدر والختر قال عمرو بن معد يكرب :
فإنك لو رأيت أبا عمير *** ملأت يديك من غذر وختر
تصور هذه الآية طبيعة الإنسان فهو في الشدة والكرب يلجأ إلى الله لجوء المضطر وعندما يكون في البحر وتشتد الرياح ، ويرتفع الموج ويظلل الناس من شدة ارتفاعه كأنه غمامة فوق رؤوسهم فإنهم يستولى عليهم الهلع والجزع ويخافون الموت فيخلصون في الدعاء لله تعالى أن ينجيهم من هذه الكارثة .
{ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور . . . } فإذا استجاب الله الدعاء ونجاهم من البحر إلى البر ووطئت أقدامهم اليابسة وجدنا بعض الناس مستمرا على إيمانه وإخلاصه فهو مقتصد مقيم على القصد أي : الطريق السوي وهو التوحيد باق على الإخلاص الذي كان عليه في البحر عند الفزع .
كما نجد أن بعض الناس قد رجع إلى الغدر والكفر فلا يذكر لله فضلا ولا يشكر لله نعمة .
{ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور . . . }
وما ينكر نعم الله وفضله إلا كل غادر شديد الغدر كفور شديد الكفر .
قال ابن عباس : مقتصد موف بما عاهد عليه الله في البحر .
وقال النقاش : يعنى عدل في العهد وفي في البر بما عاهد عليه الله في البحر .
وقال الحسن : مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة .
وقيل في الكلام حذف والمعنى : فمنهم مقتصد ومنهم كافر ودل على المحذوف قوله تعالى : وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور . . . الختار : الغدار والختر : أسوأ الغدر .
فإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر وختر
قال الجوهري : الختر الغدر يقال ختره : فهو ختار وقال عطية إنه الجاحد .
والخلاصة : أن أنعم الله متعددة ومن بين هذه النعم استجابة دعاء المضطرين ونجاة المكروبين من قلب العاصفة إلى البر والسلام والأمان وبعد النجاة نجد المؤمن الشاكر والختار الشديد الغدر والكفور الجاحد الذي يجحد آيات الله وينكرها بعد ان شاهدها بعينيه .
{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ } أي علاهم وغطاهم من الغشاء بمعنى الغطاء من فوق وهو المناسب هنا ، وقيل : أي أي أتاهم من الغشيان بمعنى الاتيان وضمير { غَشِيَهُمْ } أن اتحد بضمير المخاطبين قبله ففي الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة وإلا فلا التفات ، والموج ما يعلو من غوارب الماء وهو اسم جنس واحدة موجة وتنكيره للتعظيم والتكثير ، ولذا أفرد مع جمع المشبه به في قوله تعالى : { كالظلل } وهو جمع ظلة كغرفة وغرف وقربة وقرب ، والمراد بها ما أظل من سحاب أو جبل أو غيرهما .
وقرأ الراغب : الظلة السحابة تظل وأكثر ما يقال فيما يستوخم ويكره ، وفسر قتادة الظلل هنا بالسحاب ، وبعضهم بالجبال ، وقرأ محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه { كالظلال } وهو جمع ظلة أيضاً كعلبة وعلاب وجفرة وجفار ، وإذا ظرف لقوله تعالى : { أَثْقَلَت دَّعَوَا } أي دعوا { الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } إذا غشيهم موج كالظلل وإنما فعلوا ذلك حينئذ لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد .
{ فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } سالك القصد أي الطريق المستقيم لا يعدل عنه لغيره ، وأصله استقامة الطريق ثم أطلق عليه مبالغة ، والمراد بالطريق المستقيم التوحيد مجازاً فكأنه قيل : فمنهم مقيم على التوحيد ، وقول الحسن : أي مؤمن يعرف حق الله تعالى في هذه النعمة يرجع إلى هذا ، وقيل : مقتصد من الاقتصاد بمعنى التوسط والاعتدال .
والمراد حينئذ على ما قيل متوسط في أقواله وأفعاله بين الخوف والرجاء موف بما عاهد عليه الله تعالى في البحر ، وتفسيره بموف بعهده مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويدخل في هذا البعض على هذا المعنى عكرمة بن أبي جهل فقد روى السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : لما كان فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يكفوا عن قتل أهلها إلا أربعة نفر منهم قال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل . وعبد الله بن خطل . وقيس بن ضبابة . وعبد الله بن أبي سرح . فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ههنا فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجني في البر غيره . اللهم إن لك على عهداً إن أنت عافيني مما أنا فيه أن آتي محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجنده عفواً كريماً فجاء وأسلم ، وقيل : متوسط في الكفر لانزجاره بما شاهد بعض الانزجار .
وقيل : متوسط في الإخلاص الذي كان عليه في «البحر » فإن الإخلاص الحادث عند الخوف قلما يبقى لأحد عند زوال الخوف .
وأياً ما كان فالظاهر أن المقابل لقسم المقتصد محذوف دل عليه قوله تعالى :
{ وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ } والآية دليل ابن مالك ومن وافقه على جواز دخول الفاء في جواب لما ومن لم يجوز قال : الجواب محذوف أي فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم جاحد ، والختار من الختر وهو أشد الغدر ومنه قولهم : إنك لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من غدر ، وبنحو ذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لابن الأزرق وأنشد قول الشاعر :
لقد علمت واستيقنت ذات نفسها *** بأن لا تخاف الدهر صرمى ولاخترى
وإنك لو رأيت أبا عمير *** ملأت يديك من غدر وختر
وفي «مفردات الراغب » الختر غدر يختر فيه الإنسان أي يضعف ويكسر لاجتهاده فيه أي وما يجحد بآياتنا ويكفر بها إلا كل غدار أشد الغدر لأن كفره نقض للعهد الفطري ، وقيل : لأنه نقض لما عاهد الله تعالى عليه في البحر من الإخلاص له عز وجل { كَفُورٌ } مبالغ في كفران نعم الله تعالى ، و { خَتَّارٍ } مقابل لصبار لأن من غدر لم يصبر على العهد وكفور مقابل لشكور .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.