بعد ذلك يجول بهم جولة أخرى في أشراط الساعة ، وبعض مشاهدها ، قبل الإيقاع الأخير الذي يختم به السورة . . جولة يذكر فيها ظهور الدابة التي تكلم الناس الذين كانوا لا يؤمنون بآيات الله الكونية . ويرسم مشهدا للحشر والتبكيت للمكذبين بالآيات وهم واجمون صامتون . ويعود بهم من هذا المشهد إلى آيتي الليل والنهار المعروضتين للأبصار وهم عنها غافلون . ثم يرتد بهم ثانية إلى مشهد الفزع يوم ينفخ في الصور ، ويوم تسير الجبال وتمر مر السحاب ؛ ويعرض عليهم مشهد المحسنين آمنين من ذلك الفزع ، والمسيئين كبت وجوههم في النار :
( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ، أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) .
ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون . حتى إذا جاءوا قال : أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ? أم ماذا كنتم تعملون ? ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون .
( ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ? إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . )
( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، وكل أتوه داخرين . وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب . صنع الله الذي أتقن كل شيء ، إنه خبير بما تفعلون . من جاء بالحسنة فله خير منها ، وهم من فزع يومئذ آمنون . ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار . هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ? ) . .
وقد ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح ؛ وليس في هذا الصحيح وصف للدابة . إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة . لذلك نضرب صفحا عن أوصافها ، فما يعني شيئا أن يكون طولها ستين ذراعا ، وأن تكون ذات زغب وريش وحافر ، وأن يكون لها لحية ! وأن يكون رأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل . وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لو نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير . . . إلخ هذه الأوصاف التي افتن فيها المفسرون !
وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة ، وأنه إذا انتهى الأجل الذي تنفع فيه التوبة وحق القول على الباقين فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك وإنما يقضى عليهم بما هم عليه . . عندئذ يخرج الله لهم دابة تكلمهم . والدواب لا تتكلم ، أو لا يفهم عنها الناس . ولكنهم اليوم يفهمون ، ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة . وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله ، ولا يصدقون باليوم الموعود .
ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السلام . فجاء ذكر( الدابة )وتكليمها الناس متناسقا مع مشاهد السورة وجوها ، محققا لتناسق التصوير في القرآن ، وتوحيد الجزيئات التي يتألف منها المشهد العام .
{ وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون( 82 ) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون( 83 ) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون( 84 ) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون( 85 ) ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون( 86 ) } .
وقع القول : قرب وقوع ما وعدوا به من العذاب بعد البعث .
دابة : هي دابة كبيرة يخرجها الله قرب قيام الساعة .
تكلمهم : تكلم الناس ، وتنطق بكلام الناس ، من الكلام .
تكلمهم : قراءة بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام ، من الكلْم وهو الجرح .
82- { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .
أي : إذا اقترب قيام الساعة ، وتحقيق كلمة الله في عذاب الكافرين ، والإحسان إلى المحسنين ؛ أخرجنا لهم دابة عظيمة في هيكلها تخرج من أرض مكة ، وتكلّم الناس بكلام فصيح واضح مبين ؛ تقول للكافرين : لقد كنتم لا تؤمنون بالقرآن ، ولا بدلائل قدرة الله في الأنفس والآفاق ، وها أنتم تشاهدون القيامة وأهوالها وعلاماتها ، ومن هذه العلامات ما يأتي :
2- خروج دابة من الأرض تكلم الناس بكلام واضح مفهوم ، تقول : { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .
3-ظهور المسيح الدجال ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة ، روى الإمام مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها ، والدجّال ، ودابة الأرض22 .
1- الدابة معجزة أو آية جعلها الله من علامات قيام الساعة ، وهي من العلامات الكبرى التي جعلها الله من علامات القيامة .
2- من عادة الناس أن الدواب لا تنطق ، ولا تتكلم ، فجعل الله نطقها بكلام واضح بين دليلا على نهاية الدنيا وقرب قيام الساعة .
3- القول في قوله تعالى : { وإذا وقع القول عليهم . . } يراد به تحقيق ما وعد به الله ، مثل : { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [ السجدة : 13 ] .
4- ورد في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة ، ما يفيد أن خروج الدابة من علامات الساعة ، وفي هذا ما يكفي المسلم للاعتقاد به ، ولا يحتاج بعد ذلك إلى السؤال عن أوصاف هذه الدابة ، فقد وردت آثار غير صحيحة في وصفها لا يعوّل عليها ، وحسبنا أن نعرف أنها حيوان أعجم ضخم الجثة يتكلم قائلا : { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } . أي : لا يصدقون بعظيم آيات الله ، وعظيم قدرته .
5- ورد في صحيح مسلم بسنده ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما كانت قبل صاحبتها ، فالأخرى على إثرها قريبا " 23 .
6- وروى الإمام مسلم ، وأهل السنن ، والإمام أحمد ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري ، قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة ، فقال : ( لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق-أو تحشر- الناس ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا )24 قال الترمذي : حسن صحيح .
7- روى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، والدابة ، وخاصة أحدكم ، وأمر العامة )25 .
8- خلاصة معنى الآية ، إذا قرب وقوع ما قلناه على الكافرين من قيام الساعة وعقابهم على كفرهم ، أخرجنا لهم من الأرض دابة عظيمة ، تكلمهم بما يفهمونه عنها فتوبخهم على كفرهم ، وتنعى عليهم أنهم كانوا لا يؤمنون بالله وآياته وبراهينه ، ولا يصدقون بالبعث ولا يستيقنون به ، وقد حان وقت الجزاء العادل في القيامة ، على الإحسان إحسانا وعلى السوء سوءا .
9- قرأ بعض القراء : { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم . . } بسكون الكاف وكسر اللام من الكلم وهو الجرح ، أي : أن الدابة تجرحهم بكلام جارح ؛ عتابا ولوما على عدم الإيمان ، أو تجرحهم جرحا حسيا ، وهذا أمر محتمل ، لكن الآراء السابقة هي المفهوم لأول وهلة من كلام القرآن الكريم والسنة الصحيحة .
قوله تعالى : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ( 82 ) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 ) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ( 85 ) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
إذا وجب القول على الكافرين بالعذاب عند فساد الناس آخر الزمان ، فأعرضوا عن دين الله ولجّوا في المعاصي والذنوب ، أخرج الله لهم دابة من الأرض ، قيل من مكة { تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ } أي تخاطبهم الدابة بالعربية بلسان ذلق{[3464]} ، قائلة لهم : إن الناس كانوا غير موقنين بآيات الله . والمراد بآيات الله قرآنه وما تضمنه من الدلائل والبينات والأخبار والحقائق .
وقد ورد في حقيقة الدابة جملة أخبار منها ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة ، فقال : " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجال ، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، وخسف بجزيرة العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق – أو تحشر- الناس تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا " .
وكذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بادروا بالأعمال ستة ، طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، والدابة ، وخاصة أحدكم ، وأمر العامة " .
وما نبتغي بالإسهاب في وصف الدابة مما لا يرقى في حقيقته إلى اليقين .