وكما يسر الله لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة ، كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها الله على يدي نبيه موسى - عليه السلام - والقرآن يذكرهم بنعمة الله عليهم في هذا المقام ، وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والأنعام :
( وإذ استسقى موسى لقومه ، فقلنا : اضرب بعصاك الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا . قد علم كل أناس مشربهم . كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) . .
لقد طلب موسى لقومه السقيا . طلبها من ربه فاستجاب له . وأمره أن يضرب حجرا معينا بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل ، وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطا بعدة أحفاد يعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وأحفاد إسرائيل - أو يعقوب - هم المعروفون باسم الأسباط ، والذين يرد ذكرهم مكررا في القرآن ، وهم رؤوس قبائل بني إسرائيل . وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي ، الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير .
ومن ثم يقول : ( قد علم كل أناس مشربهم ) . أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عينا . وقيل لهم ، على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد :
( كلوا واشربوا من رزق الله ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) . .
( وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( 60 ) (
استسقى : طلب السقيا عند عدم الماء أو قلته ، قال أبوا طالب يمدح النبي صلى الله عيه وسلم .
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
والانفجار ، والانبجاس . والسكب بمعنى .
ولا تعثوا في الأرض : لا تعتدوا حال كونكم مفسدين .
ذكر الله سبحانه في هذه الآية نعمة أخرى آتاها بني إسرائيل فكفروا بها ، ذلك أنهم حين خرجوا من مصر إلى التيه أصابهم ظمأ من لفح الشمس فاستغاثوا بموسى فدعا ربه أن يستقيم فأجاب دعوته . وقد كان من أدب بني إسرائيل أن يعودوا باللوم على موسى إذا أصابهم الضيق ويمنون عليه بالخروج معه من مصر ، ويصارحونه بالندم على ما فعلوا ، فقد روى أنهم قالوا : من لنا بحر الشمس ؟ فظلل عليهم الغمام . وقالوا : من لنا بالطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى . وقالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحجر .
60- وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين . واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش وهم في صحراء مجدبة فطلب موسى لهم السقيا من الله تعالى فأجابه الله إلى ما طلب فأوحينا إليه أن أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشر عينا بمقدار عدد الأسباط . وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره ، وقلنا لهم : تمتعوا بما من الله به عليكم من المن والسلوى ، واشربوا بما فجرنا لكم من الحجر الصلب من غير تعب منكم ولا مشقة .
ولا تنشروا فسادكم في الأرض فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين .
وقد جاء هذا النهي عقب الإنعام عليهم بطيب الأكل والمشرب خيفة أن ينشأ الفساد فيهم بزيادة النعم عليهم ، ولئلا يقابلوا النعم بالكفران .
قال تعالى : كلا إن الإنسان ليطغى*أن رآه استغنى . ( 6 ، 7 ) .
والحجر الذي ضربه موسى لم يكن حجرا معينا بل أي حجر من أحجار الصحراء ، وأل في الحجر لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى عليه السلام بوحي من الله تعالى .
وقد أورد المفسرون في وصف هذا الحجر آثارا حكم المحققون بضعفها .
( قال الحسن : لم يكن حجرا معينا بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء ، وهذا أظهر في حجة موسى عليه السلام وأدل على قدرة الله ، وقد سماه في سفر الخروج الصخرة ) ( 158 ) .
والفاء في قوله تعالى : فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا . للعطف على محذوف تقديره : ضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى .
وكانت العيون اثنتي عشرة عينا ، لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا ، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب ، وهم ذرية أبناء يعقوب عليه السلام الاثنى عشر ، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عينا إكمال للنعمة عليهم حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر .
وقوله تعالى : كلوا واشربوا من رزق الله . مقول لقول محذوف تقديره وقلنا لهم : كلوا واشربوا من رزق الله . مقول لقول محذوف تقديره وقلنا لهم : كلوا واشربوا من رزق الله .
وبذلك تكون الآية الكريمة ، قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة جليلة ونصحتهم بأن يشكروا الله وحذرتهم من الفساد والجحود .
ولما بين سبحانه{[2581]} نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها والتمتع{[2582]} بمنافعها وختمه بتعذيبهم{[2583]} بما يميت أو يحرق ، وتبين من ذلك كله أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة البقرة ، وأنها لا منفعة فيها ، اتبعه التذكير{[2584]} بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد ويحيي الأجساد ، فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم من الموت تبعة{[2585]} ، ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه جمعاً لهم بذلك بين نعمتي الدين والدنيا{[2586]} فقال تعالى : { وإذ استسقى } أي طلب السقيا .
قال الحرالي : والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي والسقي إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالاً أو مقالاً ؛ قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم اسق عبادك ! ثم قال : وأحي بلدك{[2587]} الميت " انتهى .
{ موسى لقومه } أي لما خافوا الموت من العطش { فقلنا } أي بما لنا من العظمة حين خفيت عنهم { اضرب } قال الحرالي : من الضرب وهو وقع الشيء على الشيء بقوة .
{ بعصاك } والعصا{[2588]} كأنها ما يكف به العاصي ، وهو من ذوات الواو ، والواو فيه إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف{[2589]} ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية ، كأن العصو أدب العصي ، يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان ، وعصى يعصي إذا خالف الأمر - انتهى .
{ الحجر } أي جنسه فضرب حجراً{[2590]} { فانفجرت }{[2591]} وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق{[2592]} لاجتماعهما في الخروج عن محيط ، هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت . قال الحرالي : الانفجار{[2593]} انبعاث وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق الليل عنه - انتهى . ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة ، ولما لم يكن سياق الأعراف للامتنان عبر الإنبجاس الذي يدور معناه على مجرد الظهور والنبوع{[2594]} " منه " أي الحجر الذي ضربه " اثنتا عشرة عيناً " لكل سبط عين ، والعين قال الحرالي هو باد نام{[2595]} قيم يبدو به غيره ، فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو عين ، وما مطر من السماء فأغنى فهو عين ، يقال إن العين مطر أيام لا يقلع وإنما هو مطر يغني وينجع ، وما تبدو به الموزونات عين ، وما تبدو به المرئيات من الشمس عين ، وما تنال به الأعيان من الحواس عين ، والركية وهي بئر السقيا عين ، وهي التي يصحفها بعضهم فيقول{[2596]} : الركبة - بالباء يعني الموحدة - وإنما هي الركيّة - بالياء المشددة - كذا{[2597]} قال ، وقد ذكر أهل اللغة عين الرُكبة ؛ وعدّ في{[2598]} القاموس المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين{[2599]} ، منها نقرة{[2600]} الركبة أي بالموحدة ، ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة .
ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم{[2601]} معروفة أو ملبسة قال { قد علم كل أناس } أي منهم . قال الحرالي : وهو اسم جمع من الأنس - بالضم ، كالناس اسم جمع من النوس ، قال : فلم يسمهم باسم من أسماء الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمّين بها من أحوال تدين أو حال طبع أو تطبع { مشربهم } مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات في كل وقت بما يفهمه المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب أو{[2602]} اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد ، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه ، كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر ، فكان فيها نقمة ورحمة ؛ وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من بين أصابعه الماء غنياً في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر ، وتمليك الماء من أعظم التمكين ، لأنه تمكين فيما هو بزر{[2603]} كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - انتهى . يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلى الله عليه وسلم من الماء من بين أصابعه ، ودون ما نبع بوضع أصحابه سهماً من سهامه في بئر الحديبية وقد كانت لا ماء فيها ، ونحو ذلك كثير .
ولما{[2604]} كان السياق للامتنان{[2605]} {[2606]}وكان{[2607]} الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في الأعراف ممتناً{[2608]} عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم تقديره{[2609]} { كلوا واشربوا من رزق الله } أي الذي رزقكموه{[2610]} من له الكمال كله{[2611]} من غير كد ولا نصب{[2612]} . قال الحرالي : لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم الله الذي هو غيب .
{ ولا تعثوا } من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو والياء ، إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة - انتهى .
{ في الأرض } أي عامة ، لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد أفسد فيها كلها بالقوة . واتباع ما معناه الفساد قوله { مفسدين } دليل على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فساداً قاصدين به الفساد ، فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد ، لكن قد يقصد بصورة الفساد الخير فيكون صلاحاً في المعنى ، كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة والغلام ، وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة إلى أنه لملاءمته للهوى لا يكون إلا كذلك ، سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء الله تعالى مزيد بيان{[2613]} .
قال الحرالي : وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم ، لأن في كل نهي إشعاراً بمخالفته ، إلا ما شاء الله ، وفي كل أمر إشعاراً بموافقته إلا ما شاء الله ، لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعاً عن أمره ، وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره ، وإنما مجرى الأمر والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص ، فكان منهم لذلك من العثي{[2614]} ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان ، وأشد الإفساد إفساد بنيان الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم فكيف بالأنبياء منهم - انتهى .