سورة القلم مكية وآياتها ثنتان وخمسون
لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها . كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولا ، وأن سائرها نزل أخيرا - ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال . لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد ، وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقولهم : إنه مجنون !
والروايات التي تقول : إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة ، ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية ؛ ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا . حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها ، فتقول عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تلك القولة الفاجرة ؛ وأخذ القرآن يردها وينفيها ، ويهدد المناهضين للدعوة ، ذلك التهديد الوارد في السورة .
واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكرا وحده بعد مطلع سورة العلق . وأن الجنون المنفي فيه : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) . . جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] على نفسه في أول الوحي ، من أن يكون ذلك جنونا أصابه . . هذا الاحتمال ضعيف . لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققة ، ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالى : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون : إنه لمجنون ) . . فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه ، كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات .
كذلك ذكرت بعض الروايات أن في السورة آيات مدنية من الآية السابعة عشرة إلى نهاية الآية الثالثة والثلاثين . وهي الآيات التي ذكرت قصة أصحاب الجنة وابتلاءهم ، والآيات من الثانية والأربعين إلى نهاية الخمسين وهي التي تشير إلى قصة صاحب الحوت . . ونحن نستبعد هذا كذلك . ونعتقد أن السورة كلها مكية . لأن طابع هذه الآيات عميق في مكيته . وهو أنسب شيء لأن يجيء في سياق السورة عند نزولها متسقا مع الموضوع ومع الحالة التي تعالجها .
والذي نرجحه بشأن السورة كلها أنها ليست الثانية في ترتيب النزول ؛ وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية بعد أمر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالدعوة العامة . وبعد قول الله تعالى له : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) . وبعد نزول طائفة من القرآن فيها شيء من قصص الأولين وأخبارهم ، التي قال عنها قائلهم : ( أساطير الأولين ) . . وبعدما أصبحت قريش مدعوة إلى الإسلام كافة ، وأصبحت تدفع هذه الدعوة بالاتهامات الباطلة والحرب العنيفة التي اقتضت تلك الحملة العنيفة الواردة في السورة على المكذبين ، والتهديد القاصم في أولها وفي آخرها على السواء . . والمشهد الأخير في السورة يوحي بهذا كذلك : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون : إنه لمجنون ) . . فهو مشهد دعوة عامة لمجموعات كبيرة . ولم يكن الأمر كذلك في أول الدعوة . إنما كانت الدعوة توجه إلى أفراد . بوسيلة فردية . ولا تلقى إلى الذين كفروا وهم متجمعون . ولم يقع شيء من هذا - كما تقول الروايات الراجحة - إلا بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة .
والسورة تشير إلى شيء من عروض المشركين على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] للالتقاء في منتصف الطريق ، والتهادن على تراض في القضية التي يختلفون عليها وهي قضية العقيدة : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) . . وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، ولا خطر منها . إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها .
وهكذا تتضافر الشواهد على أن هذه السورة نزلت متأخرة عن أيام الدعوة الأولى . وأن هناك ثلاث سنوات على الأقل - قابلة للزيادة - بين بدء الدعوة وبين وقت نزولها . ولا يعقل أن ثلاث سنوات مرت لم يتنزل فيها قرآن . والطبيعي أن تكون هناك سور كثيرة ، وأجزاء من سور قد نزلت في هذه الفترة ، تتحدث عن ذات العقيدة بدون مهاجمة عنيفة للمكذبين بها كالوارد في هذه السورة منذ مطلعها .
ولكن هذا لا ينفي أن تكون هذه السورة وسورتا المدثر والمزمل قد نزلت في الفترة الأولى من الدعوة . وإن لم يكن ذلك أول ما نزل كما هو وارد في المصاحف ، للأسباب التي أوردناها هنا . وهي تكاد تنطبق كذلك على سورتي المزمل والمدثر .
لقد كانت هذه الغرسة - غرسة العقيدة الإسلامية - تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة . وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة ، لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعا .
وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش ، ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم ، وبين الصورة الباهرة العظيمة المستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد [ صلى الله عليه وسلم ] متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى - دين إبراهيم عليه السلام - وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض ، الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان .
وكانت النقلة عظيمة بين الشرك بالله وتعدد الأرباب ، وعبادة الملائكة وتماثيلها ، والتعبد للجن وأرواحها ، وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية . . وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها ، وتعلق إرادتها بكل مخلوق .
كذلك كانت النقلة عظيمة بين الطبقية السائدة في الجزيرة ، والكهانة السائدة في ديانتها ، واختصاص طبقات بالذات بالسيادة والشرف وسدانة الكعبة والقيام بينها وبين العرب الآخرين . . وبين البساطة والمساواة أمام الله والاتصال المباشربينه وبين عباده كما جاء بها القرآن .
ومثلها كانت النقلة بين الأخلاق السائدة في الجاهلية والأخلاق التي جاء القرآن يبشر بها ، وجاء محمد [ صلى الله عليه وسلم ] يدعو إليها ويمثلها .
وكانت هذه النقلة وحدها كافية للتصادم بين العقيدة الجديدة وبين قريش ومعتقداتها وأخلاقها . ولكن هذه لم تكن وحدها . فقد كان إلى جانبها اعتبارات - ربما كانت أضخم في تقدير قريش من العقيدة ذاتها - على ضخامتها .
كانت هناك الاعتبارات الاجتماعية التي دعت بعضهم أن يقول كما حكى عنهم القرآن الكريم : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ! ) . . والقريتان هما مكة والطائف . فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مع شرف نسبه ، وأنه في الذؤابة من قريش ، لم تكن له مشيخة فيهم ولا رياسة قبل البعثة . بينما كان هناك مشيخة قريش ومشيخة ثقيف وغيرهما ، في بيئة تجعل للمشيخة والرياسة القبلية كل الاعتبار ، فلم يكن من السهل الانقياد خلف محمد [ صلى الله عليه وسلم ] من هؤلاء المشيخة !
وكانت هناك الاعتبارات العائلية التي تجعل رجلا كأبي جهل " عمرو بن هشام " يأبى أن يسلم بالحق الذي يواجهه بقوة في الرسالة الإسلامية ، لأن نبيها من بني عبد مناف . . وذلك كما ورد في قصته مع الأخنس بن شريق وأبي سفيان بن حرب ، حين خرجوا ثلاث ليال يستمعون القرآن خفية ، وهم في كل ليلة يتواعدون على عدم العودة خيفة أن يراهم الناس فيقع في نفوسهم شيء . فلما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل رأيه فيما سمع من محمد كان جوابه : " ماذا سمعت ? تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ! " .
وكانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق ، وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك . وبخاصة بعد أن تجاوزت دور الدعوة الفردية ؛ وأمر الله تعالى نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجهر بالدعوة ؛ وأخذت معالم الدعوة الجديدة تبرز ، كما أخذ القرآن يتنزل بتسفيه عقيدة الشرك وما وراءها من الآلهة المدعاة والتصورات المنحرفة والتقاليد الباطلة .
والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ولو أنه نبي ، ولو أنه يتلقى من ربه الوحي ، ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى . . هو بشر ، تخالجه مشاعر البشر . وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة ، وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون ، ويعاني وقعها العنيف الأليم ، هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين .
وكان [ صلى الله عليه وسلم ] يسمع والمؤمنون به يسمعون ، ما كان يتقوله عليه المشركون ، ويتطاولون به على شخصه الكريم ، ( ويقولون : إنه لمجنون ) . . ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة ، التي حكاها القرآن في السور الأخرى ؛ والتي كانت توجه إلى شخصه [ صلى الله عليه وسلم ] وإلى الذين آمنوا معه . وغير الأذى الذي كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين !
والسخرية والاستهزاء - مع الضعف والقلة - مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية ، ولو كانت هي نفس رسول .
ومن ثم نرى في السور المكية - كسور هذا الجزء - أن الله كأنما يحتضن - سبحانه - رسوله والحفنة المؤمنة معه ، ويواسيه ويسري عنه ، ويثني عليه وعلى المؤمنين . ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم . وينفي ما يقوله المتقولون عنه ، ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم حرب أعدائهم ، ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء !
ونجد من هذا في سورة القلم مثل قوله تعالى عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :
( ن . والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم ) . .
إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم . أفنجعل المسلمين كالمجرمين ? مالكم ? كيف تحكمون ? ! . .
ويقول عن أحد أعداء النبي البارزين :
( ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم ! ) . .
ثم يقول عن حرب المكذبين عامة :
( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين ) . .
وذلك غير عذاب الآخرة المذل للمتكبرين :
يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة . وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون . .
ويضرب لهم أصحاب الجنة - جنة الدنيا - مثلا على عاقبة البطر تهديدا لكبراء قريش المعتزين بأموالهم وأولادهم ممن لهم مال وبنون ؛ الكائدون للدعوة بسبب مالهم من مال وبنين .
وفي نهاية السورة يوصي النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالصبر الجميل : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت . . ) .
ومن خلال هذه المواساة وهذا الثناء وهذا التثبيت ، مع الحملة القاصمة على المكذبين والتهديد الرهيب ، يتولى الله - سبحانه - بذاته حربهم في ذلك الأسلوب العنيف . . من خلال هذا كله نتبين ملامح تلك الفترة ، فترة الضعف والقلة ، وفترة المعاناة والشدة ، وفترة المحاولة القاسية لغرس تلك الغرسة الكريمة في تلك التربة العنيدة !
كذلك نلمح من خلال أسلوب السورة وتعبيرها وموضوعاتها ملامح البيئة التي كانت الدعوة الإسلامية تواجهها . وهي ملامح فيها سذاجة وبدائية في التصور والتفكير والمشاعر والاهتمامات والمشكلات على السواء .
نلمح هذه السذاجة في طريقة محاربتهم للدعوة بقولهم للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ( إنه لمجنون ) !
وهو اتهام لا حبكة فيه ولا براعة ، وأسلوب من لايجد إلا الشتمة الغليظة يقولها بلا تمهيد ولا برهان ، كما يفعل السذج البدائيون .
ونلمحها في الطريقة التي يرد الله بها عليهم فريتهم ردا يناسب حالهم : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون ) . . وكذلك في التهديد المكشوف العنيف : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين ) . .
ونلمحها في رد هذا السب على رجل منهم : ( ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . . . ) .
ونلمحها في القصة - قصة أصحاب الجنة - التي ضربها الله لهم . وهي قصة قوم سذج في تفكيرهم وتصورهم وبطرهم ، وفي حركاتهم كذلك وأقوالهم ( وهم يتخافتون . ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين . . الخ ) .
وأخيرا نلمح سذاجتهم من خلال ما يوجهه إليهم من الجدل : ( أم لكم كتاب فيه تدرسون : إن لكم فيه لما تخيرون ? أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ? سلهم أيهم بذلك زعيم ? ) . . .
وهي ملامح تظهر بوضوح من خلال التعبير القرآني ، وتفيد في دراسة السيرة ووقائعها وخطوات الدعوة فيها ؛ ومدى ما ارتفع القرآن بعد ذلك بهذه البيئة وبتلك الجماعة في أواخر عهد الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ومدى ما نقلها من هذه السذاجة في التفكير والتصور والشعور والاهتمام . كما يتضح في أساليب الخطاب فيما بعد ، وفي الحقائق والمشاعر والتصورات والاهتمامات بعد عشرين عاما لا تزيد . وهي في حياة الأمم ومضة لا تذكر . ولا تقاس إليها تلك النقلة الواسعة الشاملة . . التي انتقلتها الجماعة في هذا الوقت القصير . والتي تسلمت بها قيادة البشرية فارتفعت بتصوراتها وأخلاقها إلى القمة التي لم ترتفع إليها قيادة قط في تاريخ البشرية ، لا من ناحية طبيعة العقيدة ، ولا من ناحية آثارها الواقعية في حياة الإنسان في الأرض ، ولا من ناحية السعة والشمول لتضم الإنسانية كلها بين جوانحها في سماحة وعطف ، وفي تلبية لكل حاجاتها الشعورية ، وحاجاتها الفكرية ، وحاجاتها الاجتماعية ، وحاجاتها التنظيمية في شتى الميادين . .
إنها المعجزة تتجلى في النقلة من هذه السذاجة التي تبدو ملامحها من خلال مثل هذه السورة إلى ذلك العمق والشمول . وهي نقلة أوسع وأكبر من تحول القلة إلى كثرة ، والضعف إلى قوة ، لأن بناء النفوس والعقول أعسر من بناء الأعداد والصفوف .
( ن ، والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين . فلا تطع المكذبين . ودوا لو تدهن فيدهنون . ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم ) . .
يقسم الله - سبحانه - بنون ، وبالقلم ، وبالكتابة . والعلاقة واضحة بين الحرف " نون " . بوصفه أحد حروف الأبجدية وبين القلم ، والكتابة . . فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها ، وتوجيه إليها ، في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق ، وكانت الكتابة فيها متخلفة ونادرة ، في الوقت الذي كان دورها المقدر لها فيعلم الله يتطلب نمو هذه المقدرة فيها ، وانتشارها بينها ، لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض . ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة . وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى .
ومما يؤكد هذا المفهوم أن يبدأ الوحي بقوله تعالى : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ) . . وأن يكون هذا الخطاب موجها للنبي الأمي - الذي قدر الله أن يكون أميا لحكمة معينة - ولكنه بدأ الوحي إليها منوها بالقراءة والتعليم بالقلم . ثم أكد هذه اللفتة هنا بالقسم بنون ، والقلم وما يسطرون . وكان هذا حلقة من المنهج الإلهي لتربية هذه الأمة وإعدادها للقيام بالدور الكوني الضخم الذي قدره لها في علمه المكنون .
يقسم الله - سبحانه - بنون والقلم وما يسطرون ، منوها بقيمة الكتابة معظما لشأنها كما أسلفنا لينفي عن رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] تلك الفرية التي رماه بها المشركون ، مستبعدا لها ، ونعمته على رسوله ترفضها .
( سورة القلم مكية ، وآياتها 52 آية ، نزلت بعد سورة العلق )
وتشير الروايات إلى أنها من أوائل السور التي نزلت من القرآن ، ونلمح من سياق السورة أنها نزلت بعد الجهر بالدعوة الإسلامية في مكة ، حيث تعرض النبي الأمين صلى الله عليه وسلم للاتهام بالجنون ، فنزلت السورة تنفي عنه هذه التهمة ، وتصف مكارم أخلاقه ، وتتهدد المكذبين ، وتذكر قصة أصحاب الجنة الذين منعوا زكاة الثمار والفاكهة ، فأهلك الله جنتهم ، وكذلك يهلك كل كافر معاند ، وتوجهت السورة إلى أهل مكة بهذا الاستفهام الإنكاري : أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ( القلم : 35 ) . هل يستوي المستقيم والفاجر ؟ أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون . ( القلم : 46 ) . هل تطلب منهم أجرا كبيرا على تبليغ الرسالة ، فلا يستطيعون أداءه ولذلك يتثاقلون عن اتباعك ؟
ثم تذكر السورة طرفا من قصة يونس عليه السلام من باب التسلية والاعتبار ، وتختم السورة ببيان حقد الكافرين وحسدهم ، حتى أن عيونهم ينبعث منها شرار الحسد والغيظ ، ويتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ، وما يحمل إلا الذكر والهداية للعالمين .
1- أقسم الله بالقلم والدواة والكتابة ، ليدل على عظيم شأنها في نشر الرسالات والدعوات والعلم والمعرفة ، وكانت أول آية من القرآن : اقرأ باسم ربك الذي خلق . ( العلق : 1 ) .
2 ، 3- نفى القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم الاتهام الكاذب بالجنون ، ثم أثبت أن له أجرا كاملا غير منقوص على تبليغ الرسالة .
4-ومدحه الله بحسن الخلق ، فقال سبحانه : وإنك لعلى خلق عظيم . ( القلم : 4 ) . لقد كان خلقه القرآن ، وكان جامعا للصفات الكريمة ، والقدوة الحسنة ، فقد اتصف بالفصاحة والشجاعة والكرم والحلم ، والأدب والعفة والنزاهة والأمانة ، والصدق والرحمة والتسامح واللين وحسن المعاملة .
وكان صلى الله عليه وسلم حسن الصورة ، معتدل البناء ، جياش العواطف ، قويا في دين الله ، حريصا على تبليغ الرسالة ، قائدا ومعلما ومربيّا وموجها ، أمينا على وحي السماء .
وكانت عظمة أخلاقه في أنه تمثل القرآن سلوكا وهديا وتطبيقا ، فكان قرآنا متحركا ، يجد فيه الصحابة القدوة العملية ، والتطبيق الأمين للوحي ، فيقتدون بخلقه وعمله وهديه وسلوكه .
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا . ( الأحزاب : 21 ) .
5 ، 6- فسيكشف الغد عن حقيقة النبي وحقيقة مكذبيه ، ويثبت أيهم الممتحن بما هو فيه ، وأيهم الضالّ فيما يدعيه ، وستبصر ويبصرون غلبة الإسلام ، واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر ، وهيبتك في أعين الناس أجمعين ، وصيرورتهم أذلاء صاغرين .
7- إن ربك هو الذي أوحى إليك ، فهو يعلم أنك المهتدي ، والمكذب بك ضال عن طريق الهدى ، وسيجازي كل إنسان بحسب ما يستحق .
8 ، 9- وقد ساوم الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرضوا عليه أن يعبدوا إلهه يوما وأن يعبد آلهتهم يوما ، فيصيب كل واحد بحظه من إله الآخر : فنزل قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون . ( الكافرون : 1 ، 2 ) .
وفي كتب السيرة : أن الكفار حرّضوا أبا طالب على أن يكفّ عنهم محمدا ، وأن ينهاه عن عيب آلهتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمّه : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) .
وقد نزل الوحي ينهاه عن طاعة المكذبين ، وينهاه عن قبول المساومة أو الحل الوسط ، فإما إيمانا أو لا إيمان : ودّوا لو تدهن فيدهنون . ( القلم : 9 ) . والإدهان هو اللين والمصانعة ، أي : ودّ المشركون لو تلين لهم في دينك بالركون إلى آلهتهم ، وتتخلى عن مهاجمتها ، حتى يتركوا خصامك وجدالك .
10-13- نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة ، وقيل : في الأخنس بن شريق ، وكلاهما كان ممن خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولجّوا في حربه ، والآيات تصف هذا الكافر بتسع صفات كلها ذميم :
2- مهين ، لا يحترم نفسه ولا يحترم الناس قوله .
3- همّاز ، يهمز الناس ويعيبهم بالقول والإشارة .
4- مشاء بنميم ، يمشي بين الناس بالنميمة والفتنة والفساد .
5-منّاع للخير ، بخيل ممسك ، وكان يمنع الناس من الإيمان ، ويهدد من يحس منه الاستعداد للإيمان .
6- معتد ، متجاوز للحق والعدل ، ثم هو معتد على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين .
7- أثيم ، كثير الآثام ، لا يبالي بما ارتكب ولا بما اجترح .
8- عتل بعد ذلك ، جامع للصفات المذمومة ، وهو فظّ غليظ جاف .
9- زنيم ، أي لصيق في قومه متهم في نسبه ، أو معروف بالشرور والآثام .
14- 16- تذكر هذه الآيات موقفه من دين الله ، وجحوده بنعمة الله عليه ، فلأنه صاحب مال وولد ، إذا تلي عليه القرآن استهزأ بآياته ، وسخر من الرسول ، وهذه وحدها تعدل كل ما مرّ من وصف ذميم ، سنسمه على الخرطوم . ( القلم : 16 ) . أي : سنجعل له سمة وعلامة على أنفه ، والمراد أنا سنبين أمره بيانا واضحا حتى لا يخفى على أحد ، أو سنذله في الدنيا غاية الإذلال ، ونجعله ممقوتا مذموما مشهورا بالشر .
تتناول الآيات ( 17-33 ) قصة أصحاب الجنة ، وهم قوم ورثوا عن أبيهم بستانا جميلا مثمرا يانعا ، وكان أبوهم يخرج زكاة البستان ، ويوزع مقدارا منه على الفقراء والمساكين ، فعاقبهم الله بهلاك البستان ، وكذلك يعاقب الكافرين يوم القيامة ، وقد عرضتها الآيات عرضا رائعا يمثل خطوات القصة ، وضعف تدبير الإنسان أمام تدبير الله الواحد الديان ، فلنسر مع الآيات :
17 ، 18- لقد استقر رأس أصحاب الجنة أن يقطعوا ثمرها عند الصباح ، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين ، وأقسموا على هذا ، وعقدوا النية عليه .
19 ، 20- فطرق تلك الجنة طارق من أمر الله ليلا وهم نيام : فأصبحت كالصّريم . ( القلم : 20 ) . أي كالبستان الذي صرمت ثماره أي قطعت ، كأنها مقطوعة الثمار ، فقد ذهب الطائف الذي طاف عليها بكل ثمرها .
21-24- فنادى بعضهم بعضا في الصباح ، وانطلقوا يتحدثون في خفوت ، زيادة في إحكام التدبير ، ويوصى بعضهم بعضا بأن يحتجزوا الثمر كله ، ويحرموا منه المساكين .
25- وغدوا مصممين على حردi المساكين ومنعهم وحرمانهم ، قادرين عند أنفسهم على المنع وحجب منفعتها على المساكين .
26 ، 27- فلما شاهدوا بستانهم ورأوه محترقا أنكروه ، وشكوا فيه وقالوا : أبستاننا هذا أم نحن ضالون طريقه ؟ ثم تيقنوا أنه بستانهم وقد حاق بهم الحرمان والندم .
28- 32- وبعد أن حدث ما حدث ألقى كل منهم تبعة ما وقع على غيره ، وتشاحنوا ، ثم تركوا التلاوم ، واعترفوا بالخطيئة أما العاقبة الرديئة ، عسى أن يغفر الله لهم ، ويعوضهم عن الجنة الضائعة .
33- هكذا عذاب من خالف أمر الله ، وبخل بما آتاه ، وأنعم به عليه ، ومنع حق البائس الفقير ، وفي الآخرة عذاب أكبر من هذا العذاب ، لكل جاحد بنعمة الله ، ولكل مكذب بالدين والإيمان ، فليعلم ذلك المشركون وأهل مكة ، وليحذروا عاقبة كفرهم وعنادهم .
والقصة مسوقة لغاية معينة هي بيان عاقبة الجحود ومنع حق الله ، إنها عاقبة سيئة في الدنيا وفي الآخرة ، وفي القصة تهديد للكافرين ، وعظة للمؤمنين .
34- وفي مقابل ما أعد للكافرين ، بيان بالنعيم الذي أعد للمتقين .
35- 47- وعند هاتين الخاتمتين يدخل القرآن معهم في جدل لا تعقيد فيه ولا تركيب ، ويتحداهم ويحرجهم بالسؤال تلو السؤال ، عن أمور ليس لها إلا جواب واحد تصعب فيه المغالطة ، ويهددهم في الآخرة بمشهد رهيب ، وفي الدنيا بحرب من العزيز الجبار القوي الشديد .
48 -50- توجه الآيات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على تكاليف الرسالة ، والصبر على الأذى والتكذيب ، وتذكر له تجربة أخ له من قبل ضاق صدره بتكذيب قومه ، وهو يونس عليه السلام .
أرسل الله يونس بن متى عليه السلام ، إلى أهل قرية نينوى بجوار مدينة الموصل بالعراق ، فاستبطأ إيمانهم وشق عليه تلكؤهم ، وضاق صدره بتكذيبهم ، فهجرهم مغاضبا لهم ، قاده الغضب إلى شاطئ البحر ، حيث ركب سفينة مع آخرين ، فلما كانوا في وسط اللجّة ثقلت السفينة وتعرضت للغرق ، فأقرعوا بين الركاب للتخفف من واحد منهم ، لتخفّ السفينة ، فكانت القرعة على يونس ، فألقوه في اليمّ ، فابتلعه الحوت ، عندئذ نادى يونس ، وهو مكظوم . ( القلم : 48 ) . مملوء غيظا ، لوقوعه في كرب شديد ، في ظلمات البحر ، وفي بطن الحوت ، وفي وسط اللجّة ، نادى ربه : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . ( الأنبياء : 87 ) . فتداركه نعمة من ربه ، فنبذه الحوت على الشاطئ مريضا سقيما ، ثم يسر الله له الأمور ، واصطفاه وأوحى إليه ، وأرسله إلى مائة ألف يزيدون فآمنوا به ، وجعله الله من الصالحين ، حيث رّ إليه الوحي ، وشفعه في نفسه وقومه .
50- 52- وفي ختام السورة مشهدا للكافرين ، وهم يتلقون الدعوة من الرسول الكريم في غيظ عنيف ، وحسد عميق ، ينسكب في نظرات مسمومة قاتلة يوجهونها إليه .
وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) . يعني أنهم من شدة تخوفهم ، ونظرهم إليك سرّا بعيون العداوة والبغضاء ، يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك ، من قولهم : نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني ، أو يكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله .
وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ، وقد كان الكفار يريدون إصابة النبي صلى الله عليه وسلم بعيونهم وحسدهم ، فعصمه الله تعالى وأنزل عليه الآية .
وقد صح في الحديث من عدة طرق : ( إن العين لتدخل الرجل القبر ، والجمل القدر )ii .
وروى الإمام أحمد ، عن أبي ذر مرفوعا : ( إن العين لتولع بالرجل بإذن الله حتى يصعد حالقا ثم يتردى منه )iii .
ومما يحفظ المؤمن من الحسد خمسة أشياء ، هي :
1- قراءة : قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس .
3- قراءة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وله الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ) عشر مرات بعد صلاة المغرب ، وعشر مرات بعد صلاة الصبح .
4- قراءة قوله تعالى : وإن يكاد الذي كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) .
5- وأهم شيء في الوقاية من حسد ، الثقة الكاملة والاعتقاد اليقيني بأن الله هو النافع الضار ، وأن أحدا لن ينفعك إلا بإذن الله ، ولن يضرك إلا بمشيئة الله .
بيان محاسن الأخلاق النبوية ، سوء أخلاق بعض الكفار ، وعذاب مانعي الزكاة ، وضرب المثل بقصة أصحاب الجنة ، وتقريع المجرمين وتوبيخهم وإقامة الحجة عليهم ، وتهديد المشركين المكذبين بالقرآن ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر ، والإشارة إلى حال يونس عليه السلام في قلة الصبر على قومه ، وقصد الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوه بالعين في قوله : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم : 51 ) .
للسورة اسمان : سورة ( ن ) ، وسورة القلم .
تفيد كتب علوم القرآن الكريم أن سورة القلم من أوائل من نزل من القرآن الكريم ، فأول سورة من القرآن الكريم نزلت هي سورة العلق ، وفي صدر السورة حثّ على القراءة والعلم ، وكذلك سورة القلم فيها مدح للكتابة والتعليم ، وفيها قسم بالقلم والكتابة والتسطير ، لبيان أهمية ذلك في تبليغ الدعوة الإسلامية ، وارتفاع شأن الأمّة .
وقد اختار الله رسوله أميا لحكمة عليا : حتى لا يرتاب المبطلون ، ولا يظن الظانون أنه نقل القرآن من الكتب السابقة ، وهذا النبي الأمي علّم الناس الوحي ، وارتقى بأمّته من الجهل والتدابر إلى العلم والتواصل .
وإذا كان صدر سورة القلم قد نزل مبكرا ، فإن بقية السورة نزلت بعد ذلك ، ويرجّح الأستاذ سيد قطب في تفسيره ( في ظلال القرآن ) أن السورة نزلت تهاجم الكافرون وتهددهم ، وذلك يوضّح أن تاريخ نزولها كان بعد الجهر بالدعوة ، أي بعد ثلاث سنوات من مرحلة الإسرار بالدعوة .
{ ن ، والقلم وما يسطرون 1 ما أنت بنعمة ربك بمجنون 2 وإن لك لأجرا غير ممنون 3 وإنك لعلى خلق عظيم 4 فستبصر ويبصرون 5 بأييّكم المفتون 6 إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 7 }
ن : حروف أقسم الله بها ، أو استفتح بها السور ، أو هي للتحدّي والإعجاز ، أو هي كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة ، أو هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .
أقسم الله تعالى ببعض الحروف التي افتتح بها بعض سور القرآن الكريم ، مثل : ن ص ، حم ، طسم ، المر ، المص ، حم عسق ، كهيعص .
وهي حروف يقصد بها التحدّي والإعجاز ، وبيان أن القرآن مكوّن من حروف عربية تنطقون بها ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ، فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من عليم حكيم .
وقيل : هي أدوات للتنبيه ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ لدخول المدرسة .
أقسم الله بالقلم ، وهو وسيلة الكتابة وأداة التعليم ، تحريرا لنا من الأمّية ، وتوجيها لنا إلى فضل العلم وأهمية الكتابة ، حتى قال القائل :
تعلم العلم واقرأ *** تحز فخار النبوّة
فالله قال ليحيى *** خذ الكتاب بقوّة
ويمكن أن يراد بالقلم أيضا ، القلم الذي يكتب به الملائكة ما في اللوح المحفوظ ، ويسجّلون به في صحائفهم أعمال الناس .
إن ديننا العلم والكتابة ، والتسابق العلمي والفكري ، ومن واجب الأمة الإسلامية أن تتسابق في ميادين العلم النظري والعملي والديني ، ليعود لها مجدها وعزّها .
قال تعالى : قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعملون . . . ( الزمر : 9 ) .
وقال سبحانه وتعالى : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم . . . ( آل عمران : 18 ) .
وقال سبحانه وتعالى : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون . ( العنكبوت : 43 ) .
{ ن~ } : هو أحد الحروف المقطعة يكتب هكذا ن~ ويُقرأ نُون .
{ والقلم وما يسطرون } : أي والقلم الذي كتب به الذكر ( القدر ) والذي يخطون ويكتبون .
قوله تعالى { ن~ } هذا أحد الحروف المقطعة نحو ق~ ، وص~ ، وحم~ الله أعلم بمراده به وقوله تعالى ( والقلم وما يسطرون } أي والقلم الذي كتب أول ما خلق وقال له اكتب فقال ما اكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى بذلك وما يسطرون أي وما تسطره وتكتبه الملائكة نقلا من اللوح المحفوظ ، وما يكتبه الكرام الكاتبون من أعمال العباد قسمي أي أقسم تعالى بشيئين الأول القلم ، والثاني ما سطر به وكتب مما خلق من كل شيء .
- تقرير مسألة أن الله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه .
- بيان فضل القلم الذي يكتب به الهدى والخير . - قرير عقيدة القضاء والقدر إذ كان ذلك بالقلم الذي أول ما خلق الله .