في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

وقبل أن يتم السياق بقية النبوءة الصادقة والوعد المفعول يقرر قاعدة العمل والجزاء :

( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) . .

القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة ؛ والتي تجعل عمل الإنسان كله له ، بكل ثماره ونتائجه . وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل ، منه تنتج ، وبه تتكيف ؛ وتجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه ، إن شاء أحسن إليها ، وإن شاء أساء ، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء .

فإذا تقررت القاعدة مضى السياق يكمل النبوءة الصادقة :

( فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم ، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ، وليتبروا ما علوا تتبيرا ) . .

ويحذف السياق ما يقع من بني إسرائيل بعد الكرة من إفساد في الأرض ، اكتفاء بذكره من قبل : ( لتفسدن في الأرض مرتين ) ويثبت ما يسلطه عليهم في المرة الآخرة : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم بما يرتكبونه معهم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه ، أو بما يجبهون به وجوههم من مساءة وإذلال . ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها : ( وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ) ويدمرون ما يغلبون عليه من مال وديار ( وليتبروا ما علوا تتبيرا ) . وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على كل شيء ، والذي لا يبقي على شيء .

ولقد صدقت النبوءة ووقع الوعد ، فسلط الله على بني إسرائيل من قهرهم أول مرة ، ثم سلط عليهم من شردهم في الأرض ، ودمر مملكتهم فيها تدميرا .

ولا ينص القرآن على جنسية هؤلاء الذين سلطهم على بني إسرائيل ، لأن النص عليها لا يزيد في العبرة شيئا . والعبرة هي المطلوبة هنا . وبيان سنة الله في الخلق هو المقصود .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

المفردات :

تتبيرا : {[339]} مصدر تبر تتبيرا ، والتتبير : الإهلاك ، وهي كلمة نبطية كما روي عن سعيد بن جبير وكل شيء كسرته وفتّته فقد تبرته ، وليتبروا ما علوا تتبيرا وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه وظفروا به تدميرا شديدا{[340]} .

التفسير :

7- { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها . . . } الآية .

أي : إن أحسنتم فأطعتم الله ولزمتم أمره أحسنتم لأنفسكم ؛ لأنكم تنفعونها بذلك في دنياها وآخرتها .

فقد جعل الله الجزاء الحق من جنس العمل ووعد المؤمنين العاملين بالنصر والتأييد ، كما وعد المفسدين بالعقاب والتأديب .

تلك قاعدة لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة ، وهي تجعل عمل الإنسان كله له بكل ثماره ونتائجه ، وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل ، منه تنتج وبه تتكيف ، وتجعل الإنسان مسئولا عن نفسه إن شاء أحسن إليها وإن شاء أساء لا يلومنّ إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء .

فإذا تقررت هذه القاعدة ، مضى السياق يكلم النبوءة الصادقة .

{ فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوههم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } .

لقد فهم اليهود من السياق : أن اليهود أفسدوا مرتين فسلط الله عليهم في المرة الأولى من انتقم منهم ، ثم أعاد لليهود دولتهم وملكهم ولم يذكر هنا ما صنع اليهود بعد أن رد الله لهم الكرة على أعدائهم اكتفاء بما علم من طبعهم أنهم كلما استعلوا في الأرض بغوا وأفسدوا ، وبما ذكره القرآن من قبل : { لتفسدون في الأرض مرتين } ، ثم أثبت ما يسلكه الله عليهم في المرة الآخرة فقال :

{ فإذا جاء وعد الآخرة{[341]} ليسوءوا وجوههم } .

أي : فإذا جاء وقت عقوبتكم- يا بني إسرائيل- على المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض بعثنا أعداءكم ؛ ليجدوا آثار المساءة بادية في وجوهكم بما يرتكبونه معكم من نكال يملأ النفوس بالإساءة حتى تفيض على الوجوه ، أو ما يجبهون به وجوهكم من مساءة وإذلال . ويستبيحون المقدسات ويستهينون بها : وليدخلوا المسجد . قاهرين فاتحين مذلين لكم ، كما دخلوه أول مرة ؛ وليهلكوا ما ادخرتموه تتبيرا شديدا فلا يبقون منه شيئا .

وهي صورة للدمار الشامل الكامل الذي يطغى على شيء .

قال الإمام الرازي :

وإنما عزا- سبحانه- الإساءة إلى الوجوه ؛ لأن آثار الأحوال النفسية الحاصلة في القلب ، إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والأسفار في الوجه ، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ؛ ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى : { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا{[342]} . ( الملك : 27 ) . 1 ه .

/خ8


[339]:- ذكر المصدر؛ إزالة لشك، وتحقيقا للخبر.
[340]:- ويجوز أن تكون ما بمعنى: المدة، أي: ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل، انظر تفسير النيسابوري.
[341]:- {ووعد الآخرة}: أي: وعد عقوبتكم على المرة الآخرة على حذف مضاف، وجواب إذن محذوف والتقدير: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم. وحسن هذا الحذف؛ لدلالة جواب إذا الأولى عليه في قوله تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادنا. . . }.
[342]:- تفسير الفخر الرازي 159/2.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا} (7)

{ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أحسنتم الأول بمعنى : الحسنات ، والثاني بمعنى : الإحسان كقولك : أحسنت إلى فلان ، ففيه تجنيس ، واللام فيه بمعنى : إلى ، وكذلك اللام في قوله : { وإن أسأتم فلها } .

{ فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم } يعني : إذا أفسدوا في المرة الأخيرة بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم فالآخرة صفة للمرة ، ومعنى : يسوؤوا يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله : { سيئت وجوه الذين كفروا } [ الملك : 27 ] ، واللام لام كي وهي تتعلق ببعثنا المحذوف لدلالة الأول عليه ، وقيل : هي لام الأمر .

{ وليدخلوا المسجد } يعني بيت المقدس .

{ وليتبروا } من التبار ، وهو الإهلاك وشدة الفساد { ما علوا } ما مفعول { ليتبروا } أي : يهلكوا ما غلبوا عليه من البلاد ، وقيل : إن ما ظرفية أي : يفسدوا مدة علوهم .