في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

( لاهية قلوبهم ) . . والقلوب هي موضع التأمل والتدبر والتفكير .

إنها صورة للنفوس الفارغة التي لا تعرف الجد ، فتلهو في أخطر المواقف ، وتهزل في مواطن الجد ؛ وتستهتر في مواقف القداسة . فالذكر الذي يأتيهم يأتيهم ( من ربهم )فيستقبلونه لا عبين ، بلا وقار ولا تقديس . والنفس التي تفرع من الجد والاحتفال والقداسة تنتهي إلى حالة من التفاهة والجدب والانحلال ؛ فلا تصلح للنهوض بعبء ، ولا الاضطلاع بواجب ، ولا القيام بتكليف . وتغدو الحياة فيها عاطلة هينة رخيصة !

إن روح الاستهتار التي تلهو بالمقدسات روح مريضة . والاستهتار غير الاحتمال . فالاحتمال قوة جادة شاعرة . والاستهتار فقدان للشعور واسترخاء .

وهؤلاء الذين يصفهم القرآن الكريم كانوا يواجهون ما ينزل من القرآن ليكون دستورا للحياة ، ومنهاجا للعمل ، وقانونا للتعامل . . باللعب . ويواجهون اقتراب الحساب بالغفلة . وأمثال هؤلاء موجودون في كل زمان . فحيثما خلت الروح من الجد والاحتفال والقداسة صارت إلى هذه الصورة المريضة الشائهة التي يرسمها القرآن . والتي تحيل الحياة كلها إلى هزل فارغ ، لا هدف له ولا قوام !

ذلك بينما كان المؤمنون يتلقون هذه السورة بالاهتمام الذي يذهل القلوب عن الدنيا وما فيها :

جاء في ترجمة الأمدي لعامر بن ربيعة أنه كان قد نزل به رجل من العرب فأكرم مثواه . . ثم جاءه هذا الرجل وقد أصاب أرضا فقال له : إني استقطعت من رسول الله [ ص ] واديا في العرب . وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك . فقال عامر : لا حاجة لي في قطيعتك . نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا : ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) . .

وهذا هو فرق ما بين القلوب الحية المتلقية المتأثرة ، والقلوب الميتة المغلقة الخامدة . التي تكفن ميتتها باللهو ؛ وتواري خمودها بالاستهتار ؛ ولا تتأثر بالذكر لأنها خاوية من مقومات الحياة .

( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) . . وقد كانوا يتناجون فيما بينهم ويتآمرون خفية ، يقولون عن رسول الله [ ص ] : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ? أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ? ) .

فهم على موت قلوبهم وفراغها من الحياة لم يكونوا يملكون أنفسهم من أن تتزلزل بهذا القرآن ؛ فكانوا يلجأون في مقاومة تأثيره الطاغي إلى التعلات ، يقولون : إن محمدا بشر . فكيف تؤمنون لبشر مثلكم ? وإن ما جاء به السحر . فكيف تجيئون للسحر وتنقادون له وفيكم عيون وأنتم تبصرون ? !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} (3)

3 - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُون

لاهية قلوبهم : غافلة قلوبهم عن ذكر الله .

النجوى : التناجي ، والمراد : أنهم أخفوا تناجيهم ولم يتناجوا بمرأى من غيرهم .

لقد أعرضوا عن القرآن وشغلهم اللهو والمجون ، فقلوبهم لاهية عن الآخرة والمعاد والقرآن ، مشغولة بالفساد والضلال ، وترى أهل الباطل يتناجون سرًّا في تدبير الكيد لأصحاب الحق .

وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ .

أي : تفاوضوا سرًّا ، وأسروا التناجي ، وتدبير المكر السيء ، قائلين في تناجيهم :

هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ .

إن محمدًا ليس ملكا ، وإنما هو إنسان كسائر الناس ، لا فضل له ولا مزية ، وما يقدمه هو سحر .

أَفَََتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ .

أي : أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر ، وهو يعلم أنه سحر .

وخلاصة ذلك : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين :

1 – أن الرسول لا يكون إلا ملكا .

2 – أن الذي يظهر على يديه من قبيل السحر .

وقد رد القرآن الكريم عليهم في أكثر من موضع ، مبينا : أن الرسول إلى البشر يجب أن يكون بشرا مثلهم ، وأن محمدا ليس ساحرا ، وإنما عدم الإيمان بالله تعالى هو الذي يحملهم على تقوّل الأقاويل .

قال تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ . ( الأنعام : 9 ) .

وقال عز شأنه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى . . . . ( يوسف : 109 ) .

وقال تعالى : وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً . ( الفرقان : 8 ، 9 ) .