يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة ، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية ، ولأنه رفيق في أفعاله .
ومن جملة حكمته فيها ، أنه خلقها بالحق وللحق ، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة .
{ ثُمَّ } بعد خلق السماوات والأرض { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } استواء يليق بعظمته .
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } في العالم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء ، وإنزال الأرزاق ، ومداولة الأيام بين الناس ، وكشف الضر عن المضرورين ، وإجابة سؤال السائلين .
فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه ، وجميع الخلق مذعنون لعزه{[389]} خاضعون لعظمته وسلطانه .
{ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة ، ولو كان أفضل الخلق ، حتى يأذن الله ولا يأذن ، إلا لمن ارتضى ، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له .
{ ذَلِكُمْ } الذي هذا شأنه { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي : هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال ، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال .
{ فَاعْبُدُوهُ } أي : أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية ، { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود ، ذو الجلال والإكرام .
قوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } ما كان ينبغي للمشركين المكذبين أن يعجبوا من إرسال رجل منهم منذرا لهم ومبشرا ؛ فالله جلت قدرته رؤوف بعباده ، يريد لهم الخير والهداية والرشاد ، وهو قادر على ذلك ؛ بل إنه قادر على كل شيء ؛ فهو مالك كل ما حواه الكون من مخاليق وأشياء ، وهو { الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } واختلفوا في حقيقة المراد بهذه الأيام . فقيل : إن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يعدل اليوم الواحد منها ألف سنة مما يعده الناس . وقيل : مقدار ستة أيام من أيام الدنيا . وهو الظاهر ؛ لأنه المعروف لنا .
قوله : { ثم استوى على العرش } هذا القول وأمثاله من متشابه القرآن . وللعلماء في تأويله مذاهب شتى ؛ فقد قيل : الاستواء بمعنى الاستيلاء . وقيل : الاستواء على العرش كناية عن الملك والسلطان . وذلك بيان لجلال ملك الله ، وعظيم شأنه ، وبالغ قدرته ؛ إذ خلق هاتيك الأجرام العظيمة كافة .
قوله : { يدبر الأمر } في محل نصب على الحال . وقيل : في محل رفع خبر ثان إن . وقيل : مستأنف لا محل له من الإعراب{[1936]} .
قوله : { يدبر الأمر } { يدبر } ، من التدبير ومعناه في اللغة : النظر في عاقبة الأمر{[1937]} .
والمراد به هنا : التقدير على أكمل وجه أتمه ؛ فالله سبحانه يقضي أمور الكائنات كلها على الوجه الفائق والأكمل حسبما تستدعيه حكمة الله البالغة .
قوله : { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } الشفيع من الشفاعة ، ومنها الشفع ، وهو يخالف الوتر{[1938]} ؛ فالله وحده أوجد العالم وحده ليس له في ذلك شريك يعنيه أو شفيع له . ولا يجترئ أحد على الشفاعة عنده يوم القيامة إلا بإذنه ، إذا كان الشفيع أهلا للاستشفاع ، وكان المشفوع له ممن يستحق التشفيع . وقيل : كان ذلك ردا على زعم المشركين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله .
قوله : { ذالكم الله ربكم فاعبدوه } الإشارة في محل رفع مبتدأ . واسم الجلالة وربكم ، خبران لذلكم . ويجوز أن يكون اسم الجلالة نعتا لاسم الإشارة . و { ربكم } خبر لذلكم . أو اسم الجلالة خبر للإشارة ذلكم . و { ربكم } بدل منه .
والمعنى المقصود : أن الله الموجد المدبر ذو الجلال والكبرياء لهو المستحق أن تعبدوه وحده دون غيره من الشركاء والأنداد .
قوله : { أفلا تذكرون } ذلك تحضيض بالغ على التذكير والتدبر والادكار بما يحمل العقل والقلب على التصديق والاستيقان والإذعان والانصياع لأمر الله وحده{[1939]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.