تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

{ 30 ْ } { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ْ }

أي : أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم ، وجحدوا الإخلاص له في العبودية ، ما يدلهم دلالة مشاهدة ، على أنه الرب المحمود الكريم المعبود ، فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقا ، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر ، وهذه هامدة ميتة ، لا نبات فيها ، ففتقناهما : السماء بالمطر ، والأرض بالنبات ، أليس الذي أوجد في السماء السحاب ، بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه ، وأودع فيه الماء الغزير ، ثم ساقه إلى بلد ميت ؛ قد اغبرت أرجاؤه ، وقحط عنه ماؤه ، فأمطره فيها ، فاهتزت ، وتحركت ، وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ، مختلف الأنواع ، متعدد المنافع ، [ أليس ذلك ]{[528]}  دليلا على أنه الحق ، وما سواه باطل ، وأنه محيي الموتى ، وأنه الرحمن الرحيم ؟ ولهذا قال : { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ْ } أي : إيمانا صحيحا ، ما فيه شك ولا شرك .


[528]:- زيادة من هامش ب.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

قوله تعالى : { أولم ير الذين كفروا } قرأ العامة بالواو ، وقرأ ابن كثير لم ير بغير واو ، وكذلك هو في مصاحفهم ، معناه : ألم يعلم الذين كفروا { أن السموات والأرض كانتا رتقاً } قال ابن عباس رضي الله عنهما ، والضحاك ، وعطاء ، وقتادة : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين { ففتقناهما } فصلنا بينهما بالهواء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق . قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ، ثم خلق ريحاً فوسطها ففتحها بها . قال مجاهد و السدي : كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين . قال عكرمة وعطية : كانت السماء رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لا تنبت ، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات . وإنما قال : { رتقاً } على التوحيد وهو من نعت السماوات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم ، مثل الزور والصوم ونحوهما . { وجعلنا } وخلقنا{ من الماء كل شيء حي } أي : أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر ، يعني أنه سبب لحياة كل شيء والمفسرون يقولون : يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء . لقوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء } قال أبو العالية : يعني النطفة ، فإن قيل : قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء ؟ قيل : هذا على وجه التكثير ، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء . { أفلا يؤمنون* }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} (30)

قوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ( 30 ) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ( 31 ) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ( 32 ) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ( 33 ) } .

ذلك تنبيه من الله عظيم قدرته المطلقة ، وسلطانه البالغ ، وعلمه المحيط ؛ ليعلم الناس أنه ليس من إله عظيم معبود سوى الله الخالق العليم . فقد بيّن لنا هنا في قرآنه الحكيم ، حقيقة علمية ظاهرة ، سبق القرآن بها العلوم والعقول والنظريات في الطبيعة والفلك ؛ إذ يقول : ( أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ( أولم ) ، الواو للعطف . و ( السماوات ) ، جمع أريد به الواحد . فالسماوات والأرض جنسان كانا ( رتقا ) أي مرتوقين . بمعنى مضمومين ملتحمين فكانا شيئا واحدا متصلا بعضه ببعض .

قوله : ( ففتقناهما ) من الفتق وهو الشق وهو ضد الرتق{[3029]} ؛ أي شققناهما وفصلنا بينهما ، لنجعل السماوات سبعا طباقا . ولنجعل الأرضين سبعا كذلك . وفي خلال الجنسين وبينهما من عظيم الخلائق وعجائب الأشياء والكائنات ما لا يعلم عدته ومداه إلا الله .

لقد كانت السماوات والأرض متلاصقتين ؛ إذ كان الجميع متلاصقا متراكما يتصل بعضه ببعض حتى شاء الله أن يفصل بين الصنفين لتكون السماوات بأفلاكها ونظامها المنسجم وما فيها من الكواكب والنجوم والأجرام ومختلف الكائنات ما يدير الرأس عجبا . وكذا الأرض جعلها الله على هيئتها الراهنة من الكيفية والصلوح للحياة والقرار على متنها إلى أن يأذن الله بالفناء والنهاية .

وذلك الذي قد توصل إليه علم الطبيعة والفلك في هذه المسألة الكونية . وجملة ذلك : أن هذا الكون الهائل لم يكن في زمانه الموغل في القدم على هيئته الراهنة من الانفصال والتكامل والاتساق . وإنما كان الكون كله سديما واحدا متصلا وملتحما بعضه ببعض . فلا جرم أن تكون هذه ظاهرة من ظواهر الإعجاز في القرآن . قوله : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) أي خلق الله كل ذي حياة من الماء . ولفظ شيء بإضافته للماء ، من العام المخصوص ؛ فقد خرج بذلك منه الملائكة والجن وكل ذي غير حياة نامية .

قوله : ( أفلا يؤمنون ) استفهام إنكار يفيد التعجب من فرط الهوان الذي يغشى عقول السفهاء والضالين من الناس ، المعرضين عن الدلائل والآيات والنذُر ، والذين لا يتدبرون آيات الله في الكون والطبيعة الدالة على جلال الله ، وعلى أن هذا القرآن حق وصدق . والمعنى المراد : أفلا يزدجر هؤلاء المشركون والعصاة الضالون عن الكفر والجحود فيفيئوا إلى التصديق والطاعة والإيمان بما أنزل الله .


[3029]:- القاموس المحيط ص 1183.