تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

أي : إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته . { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً } خارجة { مِنَ الأرْضِ } أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء . وهذه الدابة { تُكَلِّمُهُمْ } أي : تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ، أي : لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله ، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون .

وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث [ ولم يأت دليل يدل على كيفيتها ولا من أي : نوع هي وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم ]{[597]}


[597]:- ما بين القوسين المركنين زيادة من هامش أ بخط الشيخ -رحمه الله- وفي ب زيادة أخرى، يبدو أنها بخطه -رحمه الله- هي: (لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها، والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاما خارقا للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين).
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

{ وإذا وقع القول عليهم } أي : إذا حان وقت عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه ، والمعنى إذا قربت الساعة أخرجنا لهم دابة من الأرض ، وخروج الدابة من أشراط الساعة ، وروي : أنها تخرج من المسجد الحرام ، وقيل : من الصفا ، وأن طولها ستون ذراعا ، وقيل : هي الجساسة التي وردت في الحديث . { تكلمهم } قيل : تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلا دين الإسلام ، وقيل : تقول لهم ألا لعنة الله على الظالمين ، وروي : أنها تسم الكافر وتحطم أنفه وتسود وجهه وتبيض وجه المؤمن .

{ أن الناس } من قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام ، ومن قرأ بالفتح فهو مفعول تكلمهم أي : تقول لهم : { إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } أو مفعول من أجله تقديره تكلمهم ، لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام ، ويحتمل قوله : { لا يوقنون } بخروج الدابة ، ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين ، وهذا أظهر .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ} (82)

ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته صلى الله عليه وسلم في أمرهم وختم بالإسلام ، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء به ، وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره ، فقال محققاً بأداة التحقيق : { وإذا وقع القول } أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول ، وكأنه لعظمه لا قول غيره { عليهم } بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جداً { أخرجنا } أي بما لنا من العظمة { لهم } من أشراط الساعة { دآبة } وأيّ دابة في هولها وعظمها خلقاً وخلقاً { من الأرض } أي أرض مكة التي هي أم الأرض ، لأنه لم يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء .

ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال : { تكلمهم } أي بكلام يفهمونه ، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً " ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة الغفاري رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : " يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج خروجاً بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة ، ثم تمكن زماناً طويلاً ، ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية ، ثم بينما الناس يوماً في أعظم المساجد على الله عز وجل حرمة وأكرمها على الله عز وجل - يعني المسجد الحرام ، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو - كذا قال عمرو - يعني ابن محمد العبقري أحد رواة الحديث - ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط ذلك ، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب ، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة ، فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ‍‍‍ ! الآن تصلي ، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه ، فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الأموال ، يعرف الكافر من المؤمن ، فيقال للمؤمن : يا مؤمن ، ويقال للكافر : يا كافر " ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تخرج الدابة ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما السلام ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ، وهذا : يا كافر " .

ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله : { أن الناس } أي بما هم ناس لم يصلوا إلى أول أسنان الإيمان ، وهو سن { الذين آمنوا } بل هم نائسون مترددون مذبذبون تارة ، وتارة { كانوا } أي كوناً هو لهم كالجبلة { بآياتنا } أي المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم ، والمسموعات المتلوات ، التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق : الأنبياء والرسل ، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل العالمين ، قطعاً لحجاجهم ، ورداً عن لجاجهم ، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على جميع العقل أتباعه { لا يوقنون* } من اليقين ، وهو إتقان العلم بنفي الشبه ، بل هم فيها مزلزلون ، فلم يبق بعده صلى الله عليه وسلم إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم .