تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

{ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ } البرق في تلك الظلمات { مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي : وقفوا .

فهكذا حال{[60]}  المنافقين ، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، جعلوا أصابعهم في آذانهم ، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده ، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم ، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد ، ويجعل{[61]}  أصابعه في أذنيه{[62]}  خشية الموت ، فهذا تمكن له{[63]} السلامة . وأما المنافقون فأنى لهم السلامة ، وهو تعالى محيط بهم ، قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه ، بل يحفظ عليهم أعمالهم ، ويجازيهم عليها أتم الجزاء .

ولما كانوا مبتلين بالصمم ، والبكم ، والعمى المعنوي ، ومسدودة عليهم طرق الإيمان ، قال تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } أي : الحسية ، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية ، ليحذروا ، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم ، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه شيء ، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض .

وفي هذه الآية وما أشبهها ، رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى ، لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله : { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }


[60]:- في ب: حالة.
[61]:- في ب: فيجعل.
[62]:- كذا في ب، وفي أ: أذنه.
[63]:- في ب: ربما حصلت له.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (20)

{ يخطف أبصارهم } إن رجع إلى أصحاب المطر وهم الذين شبه بهم المنافقين : فهو بيّن في المعنى ، وإن رجع إلى المنافقين : فهو تشبيه بمن أصابه البرق على وجهين :

أحدهما : تكاد براهين القرآن تلوح لهم كما يضيء البرق ، وهذا مناسب لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدم .

والآخر : يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر المشبه بهم .

{ كلما أضاء لهم مشوا فيه } إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم ، وإن رجع إلى المنافقين ، فالمعنى : أنه يلوح لهم من الحق ما يقربون به من الإيمان .

{ وإذا أظلم عليهم قاموا } إن رجع إلى أصحاب المطر ، فالمعنى : أنهم إذا زال عنهم الضوء وقفوا متحيرين لا يعرفون الطريق ، وإن رجع إلى المنافقين ، فالمعنى : أنه إذا ذهب عنهم ما لاح لهم من الإيمان : ثبتوا على كفرهم ، وقيل : إن المعنى كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا هذا دين مبارك ؛ فهذا مثل الضوء ، وإذا أصابتهم شدة أو مصيبة عابوا الدين وسخطوا : فهذا مثل الظلمة .

فإن قيل : لم قال : مع الإضاءة { كلما } ، ومع الظلام { إذا } ؟ فالجواب : أنهم لما كانوا حراصا على المشي ذكر معه { كلما } ، لأنها تقتضي التكرار والكثرة .

{ ولو شاء الله } الآية : إن رجع إلى أصحاب المطر ، فالمعنى : لو شاء الله لأذهب سمعهم بالرعد وأبصارهم بالبرق ، وإن رجع إلى المنافقين ، فالمعنى : لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة ، وجاءت العبارة عن ذلك بإذهاب سمعهم وأبصارهم والباء للتعدية كما هي في قوله تعالى :{ ذهب الله بنورهم }[ البقرة :17 ] .