تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

{ 151 - 153 } { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { قُلْ } لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله . { تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تحريما عاما شاملا لكل أحد ، محتويا على سائر المحرمات ، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال . { أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } أي : لا قليلا ولا كثيرا .

وحقيقة الشرك بالله : أن يعبد المخلوق كما يعبد الله ، أو يعظم كما يعظم الله ، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية ، وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحدا ، مخلصا لله في جميع أحواله ، فهذا حق الله على عباده ، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا .

ثم بدأ بآكد الحقوق بعد حقه فقال : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } من الأقوال الكريمة الحسنة ، والأفعال الجميلة المستحسنة ، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما ، فإن ذلك من الإحسان ، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق .

{ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ } من ذكور وإناث { مِنْ إِمْلَاقٍ } أي : بسبب الفقر وضيقكم من رزقهم ، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية الظالمة ، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال ، وهم أولادهم ، فنهيهم عن قتلهم لغير موجب ، أو قتل أولاد غيرهم ، من باب أولى وأحرى .

{ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } أي : قد تكفلنا برزق الجميع ، فلستم الذين ترزقون أولادكم ، بل ولا أنفسكم ، فليس عليكم منهم ضيق . { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ } وهي : الذنوب العظام المستفحشة ، { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أي : لا تقربوا الظاهر منها والخفي ، أو المتعلق منها بالظاهر ، والمتعلق بالقلب والباطن .

والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها ، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها .

{ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ } وهي : النفس المسلمة ، من ذكر وأنثى ، صغير وكبير ، بر وفاجر ، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق . { إِلَّا بِالْحَقِّ } كالزاني المحصن ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة .

{ ذَلِكُمْ } المذكور { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } عن الله وصيته ، ثم تحفظونها ، ثم تراعونها وتقومون بها . ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

فيه أربع عشرة مسألة :

الأولى - قوله تعالى : " قل تعالوا أتل " أي تقدموا واقرؤوا حقا يقينا كما أوحى إلي ربي ، لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم . ثم بين ذلك فقال " ألا تشركوا به شيئا " يقال للرجل : تعال ، أي تقدم ، وللمرأة تعالي ، وللاثنين والاثنتين تعاليا ، ولجماعة الرجال تعالوا ، ولجماعة النساء تعالين . قال الله تعالى : " فتعالين أمتعكن{[6862]} " [ الأحزاب : 28 ] . وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع ؛ لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال ، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم ، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي . قاله ابن الشجري .

الثانية - قوله تعالى : " ما حرم " الوجه في " ما " أن تكون خبرية في موضع نصب ب " أتل " والمعنى : تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم ، فإن علقت " عليكم " " بحرم " فهو الوجه ؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين . وإن علقته ب " أتل " فجيد لأنه الأسبق ، وهو اختيار الكوفيين ، فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم . " ألا تشركوا " في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول ، أي أتل عليكم ألا تشركوا ، أي أتل عليكم تحريم الإشراك ، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في " عليكم " من الإغراء ، وتكون " عليكم " منقطعة مما قبلها ؛ أي عليكم ترك الإشراك ، وعليكم إحسانا بالوالدين ، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش . كما تقول : عليك شأنك ، أي الزم شأنك . وكما قال : " عليكم أنفسكم{[6863]} " [ المائدة : 105 ] قال جميعه ابن الشجري . وقال النحاس : يجوز أن تكون " أن " في موضع نصب بدلا من " ما " ؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك . واختار الفراء أن تكون " لا " للنهي ؛ لأن بعده " ولا " .

الثالثة - هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله . وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل . قال الله تعالى : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه{[6864]} " [ آل عمران : 187 ] . وذكر ابن المبارك : أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال : قال ربيع بن خيثم{[6865]} لجليس له : أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها ؟ قال نعم . قال فاقرأ " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات . وقال كعب الأحبار : هذه الآية مفتتح{[6866]} التوراة : ( بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) الآية . وقال ابن عباس : هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة " آل عمران{[6867]} " أجمعت عليها شرائع الخلق ، ولم تنسخ قط في ملة . وقد قيل : إنها العشر كلمات المنزلة على موسى .

الرابعة - قوله تعالى : " وبالوالدين إحسانا " الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما . و " إحسانا " نصب على المصدر ، وناصبه فعل مضمر من لفظه ، تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا .

الخامسة - قوله تعالى : " ولا تقتلوا أولادكم من إملاق " الإملاق الفقر : أي لا تئدوا من الموؤودة{[6868]} - بناتكم خشية العيلة ، فإني رازقكم وإياهم . وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر ، كما هو ظاهر الآية . أملق أي افتقر . وأملقه أي أفقره ، فهو لازم ومتعد . وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال : الإملاق الجوع بلغة لخم . وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق . يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه . وذكر أن عليا رضي الله عنه{[6869]} قال لامرأته : أملقي من مالك ما شئت . ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه . فالملق لفظ مشترك يأتي{[6870]} بيانه في موضعه .

السادسة - وقد يستدل بهذا من يمنع العزل ؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل ، والعزل منع أصل النسل فتشابها ، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا ؛ ولذلك قال بعض علمائنا : إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل : ( ذلك الوأد الخفي ) الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم . وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء ؛ لقوله عليه السلام : ( لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر ) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا . وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل . والتأويل الأول أولى ؛ لقوله عليه السلام : ( إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ) . قال مالك والشافعي : لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها{[6871]} . وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذاتها ، ومن حقها في الولد ، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين ، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها ، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر .

السابعة - قوله تعالى : " ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن " نظيره " وذروا ظاهر الإثم وباطنه{[6872]} " [ الأنعام : 120 ] . فقوله : " ما ظهر " نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي . " وما بطن " ما عقد عليه القلب من المخالفة . وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء . و " ما ظهر " نصب على البدل من " الفواحش " . " وما بطن " عطف عليه .

الثامنة - قوله تعالى : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " الألف واللام في " النفس " لتعريف الجنس ، كقولهم : أهلك الناس حب الدرهم والدينار . ومثله " إن الإنسان خلق هلوعا{[6873]} " [ المعارج : 19 ] ألا ترى قول سبحانه : " إلا المصلين " ؟ وكذلك قوله : " والعصر إن الإنسان لفي خسر{[6874]} " [ العصر : 1 ، 2 ] لأنه قال : " إلا الذين آمنوا " وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة ، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها . قال رسول الله صلى : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ما له ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله ) . وهذا الحق أمور : منها منع الزكاة وترك الصلاة ، وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة . وفي التنزيل " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم{[6875]} " [ التوبة : 5 ] وهذا بين . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) . وقال عليه السلام : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ){[6876]} . أخرجه مسلم . وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) . وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " {[6877]} . وفي التنزيل : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا{[6878]} " [ المائدة : 33 ] الآية{[6879]} . وقال : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا{[6880]} " [ الحجرات : 9 ] الآية . وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل . فهذا معنى قوله : " إلا بالحق " . وقال عليه السلام : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين ) . وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قتل معاهدا في غير كنهه{[6881]} حرم الله عليه الحنة " . وفي رواية أخرى لأبي داود قال : ( من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما ) . في البخاري في هذا الحديث ( وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ) . خرجه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص .

التاسعة - قوله تعالى : " ذلكم " إشارة إلى هذه المحرمات . والكاف والميم للخطاب ، ولا حظ لهما من الإعراب . " وصاكم به لعلكم تعقلون " الوصية الأمر المؤكد المقدور . والكاف والميم محله النصب ؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة . وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله . وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال : علام تقتلوني ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانه{[6882]} فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل ) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به{[6883]} ، ولا ارتددت منذ أسلمت ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون !


[6862]:راجع ج 14 ص 170.
[6863]:راجع ج 6 ص 342.
[6864]:راجع ج 4 ص 304.
[6865]:قال في التقريب: (الربيع بن خيثم) بضم المعجمة وفتح المثلثة، ولكن في الخلاصة : بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة. تهذيب.
[6866]:تقدم عن كعب أيضا أول السورة أن أول الأنعام مفتتح التوراة.
[6867]:كذا في ز و ك و ي، وفي ب الأنعام.
[6868]:في ك: من الوأد.
[6869]:من ع.
[6870]:من ك.
[6871]:في ك: ولا بإذنها.
[6872]:راجع ص 74 و ص 243 من هذا الجزء.
[6873]:راجع ج 18 ص 289.
[6874]:راجع ج 20 ص 178.
[6875]:راجع ج 8 ص 71.
[6876]:أي فادفعوا الآخر بالقتل إذا لم يمكن دفعه بدونه.
[6877]:راجع ص 74 و ص 243 من هذا الجزء.
[6878]:راجع ج 6 ص 147.
[6879]:من ك.
[6880]:راجع ج 16 ص 315.
[6881]:كنه الأمر: حقيقته. وقيل: وقته وقدره. وقيل: غايته، يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله. (عن النهاية).
[6882]:في ب و ج و ك: إحصانه.
[6883]:في ك: منه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (151)

قوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون ( 151 ) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون ( 152 ) وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصكم به لعلكم تتقون } .

ما اسم موصول في محل نصب مفعول لقوله : { أتل } ولا ، في قوله : { ألا } زائدة . وتقديره : حرم عليكم أن تشركوا . ويجوز أن تكون ما استفهامية . فهي بذلك في محل نصب بالفعل { حرم } وتقدير ذلك : أي شيء حرم ربكم ؟ .

يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس للإقبال عليه لكي يبين لهم شرع الله فيما حرمه عليهم . يأمره أن يقول لهم : تعالوا إلي أيها القوم أقرأ عليكم ما حرم ربكم عليكم . وما أقوله لكم لهو الحق اليقين الذي أبينه لكم وليس تخريصا كتخريصكم . وكذلك يكون واجب العلماء وهو أن يدعوا الناس إلى دين الله ومنهجه الحق فيبينوا لهم الحق الذي تتضمنه شريعة الإسلام ، ويحذروهم من الباطل بكل صوره وأشكاله ويحذروهم كذلك من الوقوع في المحرمات والفسق كما بينته الآية هنا .

قوله : { ألا تشركوا به شيئا } ألا تشركوا ، في محل نصب بدل من { ما } أي أتل عليكم تحريم الإشراك . وشيئا ، يحتمل المفعولية . أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء . ويحتمل المصدرية . أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك . وقد بدأ الله بالنهي عن الشرك ، فهو أكبر الكبائر وأفظع المعاصي . لا جرم أن الشرك فادحة شنيعة تدنو دونها كل الموبقات والفوادح فإنه لا يشرك بالله ظالم أثيم قد تردى في هاوية الخاسرين اليائسين . ويستوي في الشرك كل صوره وألوانه من الأوثان الخسران والآلهة المزيفة ، ما بين حجر أصم ، أو كوكب دائر في فلكه يسبح بحمد الله على الدوام ، أو شبحا من الأشباح الموهومة ، أو طاغوتا من طواغيت البشر يدين له المغفلون السفهاء بالطاعة المطلقة والولاء الكامل من غير روية ولا نظر ، إلا العماية والخور ، أو السفاهة والضلالة وانعدام البصر .

قوله : { وبالولدين إحسنا } إحسانا منصوب على المصدر ، لفعل مضمر من لفظه . أي أحسنوا بالوالدين إحسانا . والإحسان إلى الوالدين يعني البر بهما وامتثال أوامرهما وبذل الخير والنصح لهما ، وكامل التواضع واللين في مخاطبتهما ودفع الأضرار والشرور عنهما .

قوله : { ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم } بعد أن بين الله حق الوالدين على الأولاد ، ذكر عقيب ذلك حق الأولاد على الوالدين فنهى عن قتلهم خوفا من الفقر مثلما كان الجاهليون يفعلون بالذكور والإناث على السواء . إذ كانوا يقتلون خوفا من الفقر ويئدون البنات خشية العار . لا جرم أن ذلك مربع الشناعة وبالغ الفداحة والنكر . فإنه لا يجترئ على قتل النفس البريئة إلا مقبوح ظلوم ، أو عات وعتل وغشوم . ما ينبغي لعاقل ذي قلب وكينونة بشرية سوية أن يجترئ على قتل ولده خشية الفقر . فإن الله جلت قدرته لهو القمين برزق الوالدين ومن يعولونهم من الأولاد . فليس من مدعاة بعد ذلك للخوف من الفقر على الأسرة والأولاد ما دام الله عز وجل متكفلا بالرزق .

قوله : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } الفواحش جمع فاحشة ، وهي الزنا وكل ما يشتد قبحه من الذنوب وكل ما نهى الله عنه والفحش ككل شيء جاوز حده ، والفاحش ما جاوز الحد{[1313]} .

على أن تأويل الفواحش ما ظهر منها وما بطن موضع خلاف . فقد قيل : المراد بما ظهر منها زواني الحوانيت ، وأما ما بطن فما خفي . وقد كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر منه والعلانية . فما ظهر منها يعني العلانية ، وما بطن يعني السر . وقد ذكر مثل ذلك عن ابن عباس ، إذ قال : كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية .

وقيل : الأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين بل يجري على عمومه في جميع الفواحش والمعاصي ظاهرها وباطنها ، لأن اللفظ عام يتناول بعمومه سائر المعاصي والمناهي .

قوله : { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ذلك نهي من الله عن قتل النفس التي حرم الله قتلها لعصمتها بالإسلام أو بالعهد كالذمي والمستأمن ، { إلا بالحق } وهو ما يوجب قتلها . أي لا تقتلوا النفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو العهد في حال من الأحوال إلا في حال الحق . أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق . وهو ما يوضحه الحديث . فقد جاء في الصحيحين وكتب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " وهذا الحق عدة أمور نعرض لها في الأخبار التالية . فقد روى الشيخان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمدا فيقتل ، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض " .

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنا بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس " فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله ، ولا قتلت نفسا ، فبم تقتلوني .

إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لقتل المسلم . أما غير المسلم وهو الذمي أو المعاهد . ويراد بالمعاهد ، المستأمن من أهل الحرب الذي يدخل دار الإسلام بعقد الأمان من قبل دولة الإسلام . وقد جاء في قتل الذمي والمعاهد ظلما أشد الزجر والتهديد من الله بما يتوعد القاتلين ظلما الحرمان والخسران في الآخرة . فقد روى ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : " من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر{[1314]} بذمة الله فلا يُرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " .

وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قتل معاهدا في غير كنهه{[1315]} حرم الله عليه الجنة " .

قوله : { ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون } الإشارة عائدة إلى المنهيات المذكورة . فقد وصاكم الله بوجوب المحافظة على ما كلفتم به وهو اجتناب المنهيات لعلكم بعقولكم تكونون من الراشدين . ومن المعلوم أن كمال العقل هو الرشد .


[1313]:- القاموس المحيط ج2 ص 293 ومختار الصحاح ص 492 والمصباح المنير ج 2 ص 117.
[1314]:- أخفر: نقض عهده وغدر. انظر القاموس المحيط ج 2 ص 23 ومختار الصحاح ص 182.
[1315]:- كنه الشيء: حقيقته ونهايته. والكنه: الوقت، والغاية. انظر المصباح المنير ج 2 ص 204 والمراد بقتله في كنهه: قتله في غير وقته الذي جاز فيه قتله. أو قتله بغير حق.