تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

وفي ضمن أخبار الله عن علمه وقدرته الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال ، ومحل ذلك يوم القيامة ، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا } أي : كاملا موفرا لم ينقص مثقال ذرة ، كما قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } والخير : اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها وكبيرها ، كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا } أي : مسافة بعيدة ، لعظم أسفها وشدة حزنها ، فليحذر العبد من أعمال السوء التي لا بد أن يحزن عليها أشد الحزن ، وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا } { حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } فوالله لترك كل شهوة ولذة وإن عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح ، ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر ، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور فيقدم على ما ينفعه عاجلا وآجلا ، ويحجم عن ما يضره عاجلا وآجلا ، ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا ، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح ، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب ، فقال { ويحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد } فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام ، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

" يوم " منصوب متصل بقوله : " ويحذركم الله نفسه . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله : " وإلى الله المصير . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله :

" والله على كل شيء قدير . يوم تجد " ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر ، ومثله قوله : " إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض " {[2997]} [ إبراهيم :47 ، 48 ] . و " محضرا " حال من الضمير المحذوف من صلة " ما " تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا . هذا على أن يكون " تجد " من وجدان الضالة . و " ما " من قوله " وما عملت من سوء " عطف على " ما " الأولى . و " تود " في موضع الحال من " ما " الثانية . وإن جعلت " تجد " بمعنى تعلم كان " محضرا " المفعول الثاني ، وكذلك تكون " تود " في موضع المفعول الثاني ، تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا . ويجوز أن تكون " ما " الثانية رفعا بالابتداء ، و " تود " في موضع رفع على أنه خبر الابتداء ، ولا يصح أن تكون " ما " بمعنى الجزاء ؛ لأن " تود " مرفوع ، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء ، وكان يكون معنى الكلام : وما عملت من سوء ودت لو أن{[2998]} بينها وبينه أمدا بعيدا ، أي كما بين المشرق والمغرب . ولا يكون المستقبل إذا جعلت " ما " للشرط إلا مجزوما ، إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء ، على تقدير : وما عملت من سوء فهي تود . أبو علي : هو قياس قول الفراء عندي ؛ لأنه قال في قوله تعالى : " وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " {[2999]} [ الأنعام : 121 ] : إنه على حذف الفاء . والأمد : الغاية ، وجمعه آماد . ويقال : استولى على الأمد ، أي غلب سابقا . قال النابغة :

إلا لمثلك أو من أنت سابقُه *** سِبْقَ الجواد إذا استولى على الأَمَدِ

والأمد : الغضب . يقال : أمِد أمَداً ، إذا غضب غضبا{[3000]} .


[2997]:- راجع جـ9 ص 382.
[2998]:- في د: لو كان.
[2999]:- راجع جـ7 ص 77.
[3000]:- الزيادة من د و في ب: أي غضب.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

{ يوم تجد } منصوب على الظرفية والعامل فيه فعل مضمر تقديره اذكروا أو خافوا وقيل : العامل فيه قدير ، وقيل : المصير وقيل : يحذركم .

{ وما عملت من سوء } مبتدأ خبره تود أو معطوف .

{ أمدا } أي : مسافة .

{ والله رؤوف } ذكر بعد التحذير تأنيسا لئلا يفرط الخوف أو لأن التحذير والتنبيه رأفة .