تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} (28)

{ 28 } { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا }

يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وغيره أسوته ، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } أي : أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله ، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها ، ففيها الأمر بصحبة الأخيار ، ومجاهدة النفس على صحبتهم ، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد ، ما لا يحصى .

{ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي : لا تجاوزهم بصرك ، وترفع عنهم نظرك .

{ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإن هذا ضار غير نافع ، وقاطع عن المصالح الدينية ، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا ، فتصير الأفكار والهواجس فيها ، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة ، فإن زينة الدنيا تروق للناظر ، وتسحر العقل ، فيغفل القلب عن ذكر الله ، ويقبل على اللذات والشهوات ، فيضيع وقته ، وينفرط أمره ، فيخسر الخسارة الأبدية ، والندامة السرمدية ، ولهذا قال : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } غفل عن الله ، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره .

{ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } أي : صار تبعا لهواه ، حيث ما اشتهت نفسه فعله ، وسعى في إدراكه ، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه ، فهو قد اتخذ إلهه هواه ، كما قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } الآية . { وَكَانَ أَمْرُهُ } أي : مصالح دينه ودنياه { فُرُطًا } أي : ضائعة معطلة . فهذا قد نهى الله عن طاعته ، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به ، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به ، ودلت الآية ، على أن الذي ينبغي أن يطاع ، ويكون إماما للناس ، من امتلأ قلبه بمحبة الله ، وفاض ذلك على لسانه ، فلهج بذكر الله ، واتبع مراضي ربه ، فقدمها على هواه ، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته ، وصلحت أحواله ، واستقامت أفعاله ، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه ، فحقيق بذلك ، أن يتبع ويجعل إماما ، والصبر المذكور في هذه الآية ، هو الصبر على طاعة الله ، الذي هو أعلى أنواع الصبر ، وبتمامه تتم باقي الأقسام . وفي الآية ، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار ، لأن الله مدحهم بفعله ، وكل فعل مدح الله فاعله ، دل ذلك على أن الله يحبه ، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به ، ويرغب فيه .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} (28)

{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } مفسر في سورة الأنعام إلى قوله { ولا تعد عيناك عنهم } أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والرتبة { تريد زينة الحياة الدنيا } تريد مجالسة الأشراف { ولا تطع } في تنحية الفقراء عنك { من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } جعلناه غافلا { وكان أمره فرطا } أي ضياعا هلاكا لأنه ترك الإيمان والاستدلال بآيات الله تعالى واتبع هواه

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} (28)

ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير{[46075]} الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له{[46076]} إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعاً : لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه{[46077]} يؤذينا ريح جبابهم ونأنف{[46078]} من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك ، قال يرغبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان ، معلماً أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحداً : { واصبر نفسك } أي احبسها وثبتها{[46079]} في تلاوته وتبيين معانيه { مع الذين يدعون ربهم } شكراً لإحسانه ، واعترافاً بامتنانه ، وكنى عن المداومة بما{[46080]} يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلاً عليه{[46081]} فقال تعالى{[46082]} : { بالغداة } {[46083]}أي التي{[46084]} الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة { والعشي } {[46085]}أي التي{[46086]} الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى{[46087]} الموت ؛ ثم مدحهم بقوله {[46088]}تعالى معللاً لدعائهم{[46089]} : { يريدون } أي بذلك { وجهه } لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب {[46090]}وإن كانوا{[46091]} في غاية الرثاثة ، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال {[46092]}مؤكداً للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلاً آخر{[46093]} : { ولا تعد عيناك } {[46094]}علواً ونبوءاً وتجاوزاً{[46095]} { عنهم } {[46096]}إلى غيرهم ، أي لا تعرض عنهم{[46097]} ، حال كونك { تريد زينة الحياة الدنيا } التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها{[46098]} الأرض لنبلوهم بذلك ، فإنهم وإن كانوا اليوم عند{[46099]} هؤلاء مؤخرين {[46100]}فهم عند{[46101]} الملك الأعلى مقدمون{[46102]} ، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في{[46103]} الطبقة العليا من أهل العز ، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل ، {[46104]}وأما إن عدّت العينان أحداً لما غفل عنه من الذكر ، وأحل به من الشكر ، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به{[46105]} الإ الآخرة .

ولما بالغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين{[46106]} ، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين ، و{[46107]}أكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى : { ولا تطع من أغفلنا } بعظمتنا{[46108]} { قلبه } أي جعلناه غافلاً ، {[46109]}لأن الفعل فيه لنا لا له{[46110]} { عن ذكرنا } بتلك الزينة .

{[46111]}ولما كان التقدير : فغفل ، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد ، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى{[46112]} : { واتبع هواه } بالميل إلى ما استدرجناه به منها{[46113]} والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار ، فإذا أفلت{[46114]} الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق{[46115]} { وكان أمره فرطاً * } أي متجاوزاً للحد مسرفاً فيه متقدماً على الحق ، فيكون الحق منبوذاً به وراء{[46116]} الظهر {[46117]}مفرطاً فيه بالتقصير{[46118]} {[46119]}فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك{[46120]} على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف ، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم{[46121]} {[46122]}لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه ، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه{[46123]} .


[46075]:تكرر في الأصل فقط.
[46076]:زيد من ظ ومد.
[46077]:تكرر في مد.
[46078]:من مد، وفي الأصل وظ: تانق.
[46079]:سقط من ظ.
[46080]:زيد من مد.
[46081]:زيد من مد
[46082]:العبارة من "وكنى عن" إلى هنا ساقطة من ظ
[46083]:العبارة من هنا إلى "الحياة" ساقطة من ظ
[46084]:زيد من مد.
[46085]:العبارة من هنا إلى "الموت" ساقطة من ظ.
[46086]:زيد من مد.
[46087]:زيد من مد.
[46088]:سقطما بين الرقمين من ظ.
[46089]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46090]:العبارة من هنا إلى "غاية الرثاثة" ساقطة من ظ.
[46091]:من مد، وفي الأصل: كان.
[46092]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46093]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46094]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46095]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46096]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46097]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46098]:من ظ ومد وفي الأصل: بهما.
[46099]:من مد، وفي الأصل وظ: عنه.
[46100]:من ظ ومد وفي الأصل: فعند.
[46101]:من ظ ومد وفي الأصل: فعند.
[46102]:في ظ: مقدمين.
[46103]:في مد "و".
[46104]:العبارة من هنا إلى "إلى الغافلين" ساقطة من ظ.
[46105]:زيد من مد.
[46106]:من مد، وفي الأصل: المجالسين.
[46107]:في ظ: ثم.
[46108]:سقط من ظ.
[46109]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46110]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46111]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46112]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46113]:من ظ ومد وفي الأصل: بها.
[46114]:من مد، وفي الأصل: قلت.
[46115]:العبارة من "والأنفة" إلى هنا ساقطة من ظ.
[46116]:زيد من ظ ومد.
[46117]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46118]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46119]:زيد قبله في مد: عما لا يحق له.
[46120]:زيد من ظ ومد.
[46121]:في ظ ومد: يديهم.
[46122]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46123]:سقط ما بين الرقمين من ظ.