{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }
أي : وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت ، أن يجعله الله بلدا آمنا ، ويرزق أهله من أنواع الثمرات ، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين ، تأدبا مع الله ، إذ كان دعاؤه الأول ، فيه الإطلاق ، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم .
فلما دعا لهم بالرزق ، وقيده بالمؤمن ، وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر ، والعاصي والطائع ، قال تعالى : { وَمَنْ كَفَرَ } أي : أرزقهم كلهم ، مسلمهم وكافرهم ، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة ، وأما الكافر ، فيتمتع فيها قليلا { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أي : ألجئه وأخرجه مكرها { إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا } أي هذا المكان وهذا الموضع { بلدا } مسكنا { آمنا } أي ذا أمن لا يصاد طيره ولا يقطع شجره ولا يقتل فيه أهله { وارزق أهله من الثمرات } أنواع حمل الشجر { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } خص إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين ، قال تعالى { ومن كفر فأمتعه قليلا } فسأرزقه إلى منتهى أجله { ثم أضطره } ألجئه في الآخرة { إلى عذاب النار وبئس المصير } هي .
و{[4901]}لما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به{[4902]} سبحانه وفيما أمر به الخليل و{[4903]}ولده عليهما السلام من تطهيره ذكر باهتمامه بأهله ودعائه لهم مبكتاً لمن عقّه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم{[4904]} الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال : وإذ قال إبراهيم رب } فأسقط أداة البعد إنباء بقربه{[4905]} كما هو حال أهل الصفوة{[4906]} { اجعل هذا } أي الموضع{[4907]} الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي .
ولما كان السياق للمنع من المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملاً بعمومه للبادي ولذلك{[4908]} قرر أنه مثابة للناس عامة وأمنٌ كان الأنسب تنكير البلد فقال : { بلداً } يأنس{[4909]} من يحل به { آمناً } إفصاحاً بما أفهمه
{ وإذ جعلنا البيت }[ البقرة : 125 ] الآية ، والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه كلتيهما : في كونه بلداً فإنه{[4910]} إذا انقطع الناس عن أهله خرب{[4911]} ، وفي كونه آمناً ، وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام .
ولما ذكر القرار والأمن أتبعه الرزق وقال{[4912]} : { وارزق أهله }{[4913]} وقال : { من الثمرات } ، ولم يقل : من الحبوب ، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال : " ما دخلت هذه بيتاً إلا ذل " وقال : { من آمن منهم بالله } الجامع لصفات الكمال{[4914]} { واليوم الآخر } تقييداً لدعوة الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة{[4915]} تأدباً معه{[4916]} حيث قال :{ لا ينال عهدي الظالمين }[ البقرة : 124 ] { قال } الله تعالى معلماً أن شمول الرحمانية{[4917]} بأمن الدنيا ورزقها لجميع{[4918]} عمرة الأرض { ومن كفر } أي أنيله{[4919]} أيضاً ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق ، وعبر عن ذلك بقوله : { فأمتعه{[4920]} } تخسيساً له بما أفهمه لفظ المتاع بكونه كما مضى من أسماء الجيفة التي إنما هي منال{[4921]} المضطر على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها ، وأكد{[4922]} ذلك بقوله : { قليلاً } لكن فيه إيماء إلى أنه يكون أطيب حالاً في الدنيا وأوسع رزقاً من المؤمن ، وكذا في قوله : { ثم أضطره }{[4923]} بما لي من العظمة الباهرة{[4924]} { إلى عذاب النار } أي{[4925]} بما أستدرجه{[4926]} به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم ، وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار الله خلقه على ما يشاء{[4927]} منهم من إظهار حكمته وأن أحداً لا يقدر على حركة ولا سكون إلا بمشيئته ؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر{[4928]} . ولما كان التقدير : فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا ، عطف عليه قوله : { وبئس المصير } أي العذاب له في الآخرة ، وهو مفعل مما {[4929]}منه التصيير{[4930]} وهو التنقيل{[4931]} في أطوار وأحوال ينتهي{[4932]} إلى غاية تجب{[4933]} أن تكون{[4934]} غير حالة الشيء الأولى{[4935]} بخلاف المرجع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.