{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله . . . }
وما أهل به لغير الله : أي ما ذبح مذكور عليه اسم الله ، وأصل الهلال : رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم أطلق على رفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبي عند الولادة .
فمن اضطر غير باغ : فمن أجبرته الضرورة على تناول شيء مما ذكر لإنقاذ نفسه من الهلاك غير ظالم لغيره .
ولا عاد : ولا معتد بتجاوزه ما يمسك الرمق ويدفع الجوع .
والميتة تأباها النفس السليمة ، وكذلك الدم ، فضلا عما أتبته الطب بعد فترة طويلة من تحريم القرآن والتوراة قبله بإذن الله من تجمع المكروبات والمواد الضارة في الميتة والدم . ولا ندري إن كان الطب الحديث قد استقصى ما فيهما من الأذى أم أن هناك أسبابا أخرى للتحريم لم يكشف عنها بعض الناس .
ويستثنى من تحريم الميتة السمك والجراد ، لما أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال » .
والدم المحرم : ما يسيل من الحيوان الحي كثيرا كان أم قليلا ، وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته ، وهو الذي عبر عنه القرآن بالمسفوح عن قوله تعالى : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إل أن يكون ميتة أو دما مسفوحا( الأنعام : 145 ) .
والدم المسفوح هو الدم الجاري المهراق من البهيمة بعد ذبحها . أما الدم المتبقي في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء فيه .
قال القرطبي : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، ومعفو عما تعم به البلوى ، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه .
«لحم الخنزير » وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده ، وإنما خص لحمه بالذكر لأنه الذي يقصد بالأكل ، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه .
ومن الحكم في تحريم لحم الخنزير قذارته ، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله ، وربما كان لتحريمه حكم أخرى لا تزال مجهولة لنا .
وما أهل به لغير الله : أي ما ذبح ، وقد ذكر عليه اسم غير الله ، وإذا كانت المحرمات السابقة قد حرمت لخبث ذاتها ، فما ذكر اسم غير الله عليه ، حرم لخبثه معنويا ، فقد ذكر اسم غير خالقه المنعم به عند ذبحه ولولا ذلك لكان حلالا .
وسمي الذكر إهلالا : لما فيه من الإهلال ، أي رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقا ، ومنه إهلال الصبي ، والإهلال بالحج ، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها «كاللات والعزى » ورفعوا بها أصواتهم ، وسمي ذلك إهلالا . فالمراد بما أهل به لغير الله هو ما ذبح للأصنام وغيرها .
وذهب عطاء والحسن ومكحول والشعبي وسعيد بن المسيب إلى تخصيص التحريم بما ذكر عليه اسم الصنم ، ولهذا أباحوا ذبيحة النصراني إذا ذكر عليها اسم المسيح ، وقد خالفوا بذلك ظاهر النص ، وما عليه الجمهور من التحريم ، وقد شمل حكم الآية ذبيحة الوثني والمجوسي ، وكذا ذبيحة المعطل الذي لا يعتقد في الله تعالى فهي حرام كذبيحة أهل اسم غير الله عليها .
وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه ، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه .
{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه }
فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من هذه لمحرمات حالة كونه غير باغ : أي غير طالب المحرم وهو يجد غيره ، أو غير طالب له لإشباع لذاته ، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر ، أو غير ساع في الفساد .
ولا عاد : أي وغير متجاوز ما يسد الجوع ، ويحفظ الحياة .
فلا إثم عليه : أي فلا إثم عليه في أكله من هذه المحرمات .
وبهذا ترى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره في تشريعاته التي أقامها الله تعالى على رفع الحرج ، ودفع الضرر ، قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين حرج } . ( الحج : 87 )
وقال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . ( البقرة : 185 ) .
وليس المراد من الآية حصر التحريم فيما ذكر ، فإن المحرمات أوسع منها ، ولكن المقصود رد اعتقاد المشركين أن الأكل منها حلال .
وختمت الآية بقوله سبحانه : { إن الله غفور رحيم } .
للإيذان بأن الحرمة باقية ، إلا أنه تعالى أسقط الإثم عن المضطر وغفر له لاضطراره .
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة } أي أكلها والانتفاع بها ، وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف ، وليست مما تتعلق بالأعيان إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة ، وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده ؛ حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ وألحق بالميتة ما أبين من حي للحديث الذي أخرجه/ أبو داود ، والترمذي وحسنه عن أبي واقد الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة " وخرج عنها السمك والجراد للحديث الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد والكبد والطحال » وللعرف أيضاً ، فإنه إذا قال القائل : أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما ، نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من الجراد بغير سبب ، وعليه أكثر المالكية ، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة ، وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه من المالكية ، وقرأ أبو جعفر : ( الميّتة ) مشددة { والدم } قيد في سورة الأنعام ( 145 ) بالمسفوح وسيأتي ، واستدل بعمومه على تحريم نجاسة دم الحوت ، وما لا نفس له تسيل { وَلَحْمَ الخنزير } خص اللحم بالذكر مع أن بقية أجزائه أيضاً حرام خلافاً للظاهرية لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له ، وقيل : خص اللحم ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك ، وفيه ما لا يخفى ، ولعل السر في إقحام لفظ اللحم هنا إظهار حرمة ما استطيبوه وفضلوه على سائر اللحوم واستعظموا وقوع تحريمه ، واستدل أصحابنا بعموم الخنزير على حرمة خنزير البحر ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : لا بأس به ، وروي عن الإمام مالك أنه قال له شخص : ما تقول في خنزير البحر ؟ فقال : حرام ثم جاء آخر فقال له : ما تقول في حيوان في البحر على صورة الخنزير ؟ فقال حلال فقيل له في ذلك فقال : إن الله تعالى حرم الخنزير ولم يحرم ما هو على صورته ، والسؤال مختلف في الصورتين .
{ وَمَا أُهِلَّ به لِغَيْرِ الله } أي ما وقع متلبساً به أي بذبحه الصوت لغير الله تعالى ، وأصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة رؤية الهلال لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤى سمي بذلك إهلالا ، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان بغيره ، والمراد بغير الله تعالى الصنم وغيره كما هو الظاهر ، وذهب عطاء ومكحول والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى تخصيص الغير بالأول وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم وإنما قدم به هنا لأنه أمس بالفعل وأخر في مواضع أخر نظراً للمقصود فيها من ذكر المستنكر وهو الذبح لغير الله عز شأنه .
{ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ } بالاستتار على مضطر آخر بأن ينفرد بتناوله فيهلك الآخر { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع وهو ظاهر في تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين فعن الإمام أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه لأن الإباحة للاضطرار ، وقد اندفع به ، وقال { عَبْدُ الله } : يأكل منها قدر ما يسد جوعته ، وخالف في ذلك الإمام مالك فقال : يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها ، ونقل عن الشافعي أن المراد غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق وجعل من ذلك السفر في معصية فالعاصي في سفره لا يباح له الأكل من هذه المحرمات وهو المروي عن الإمام أحمد أيضاً وهو خلاف مذهبنا ، ويحتاج حكم الرخصة على هذا إلى التقييد بأن لا يكون زائداً على قدر الضرورة من خارج ، واستدل بعموم الآية على جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي خلافاً لمن منع ذلك ، وقرأ أهل الحجاز والشام والكسائي { بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنُ اضطر } بضم النون وأبو جعفر منهم بكسر الطاء من اضطر .
{ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } أي في تناوله بل ربما يأثم بترك التناول { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فلذا أسقط الحرمة في تناوله ورخص ، وقيل : الحرمة باقية إلا أنه سقط الإثم عن المضطر وغفر له لاضطراره كما هو الظاهر من تقييد الإثم بعليه ، واستدل للأول بقوله تعالى : { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } [ الأنعام : 9 11 ] حيث استثنى من الحرمة .
ثم اعلم أنه ليس المراد من الآية قصر الحرمة على ما ذكر مطلقاً كما هو الظاهر حتى يرد منع الحصر بحرمة أشياء لم تذكر بل مقيد بما اعتقدوه حلالاً بقرينة أنهم كانوا يستحلون ما ذكر فكأنه قيل : إنما حرم عليكم ما ذكر من جهة ما استحللتموه لأشياء أخر ، والمقصود من قصر الحرمة على ما ذكر رد اعتقادهم حليته بأبلغ وجه وآكده فيكون قصر قلب إلا أن الجزء الثاني ليس لرد اعتقاد الحرمة إذ لم يعتقدوا حرمة شيء مما استحلوه بل تأكيد الجزء الأول ، والخطاب للناس باعتبار دخول المشركين فيهم فيكون مفاد الآية الزجر عن تحليل المحرمات كما أن { يأَيُّهَا الناس كُلُواْ } [ البقرة : 168 ] زجر عن تحريم الحلالات ، أو المراد قصر حرمة ما ذكر على حال الاختيار ، كأنه قيل : إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها ، والأنسب حينئذ أن يكون الخطاب للمؤمنين ليكون محط الفائدة هو القيد حيث كانوا معتقدين لحرمة هذه الأمور ، وفائدة الحكم الترخيص بعد التضييق عليهم بطلب الحلال الطيب ، أو تشريفهم بالامتنان بهذا الترخيص بعد الامتنان عليهم بإباحة المستلذات ، واختار بعضهم أن المراد من الحصر رد المشركين في تحريمهم ما أحله الله تعالى من البحيرة والوصيلة والحام وأمثالها لأكلهم من هذه المحرمات المذكورة في الآية ، فكأنهم قالوا : تلك حرمت علينا ولكن هذه أحلت لنا ، فقيل : ما حرمت إلا هذه فهو إذاً إضافي وذهب آخرون إلى أنه قصر إفراد بالنسبة إلى ما حرمه المؤمنون مع المذكورات من المستلذات ، وفيه أن المؤمنين لم يعتقدوا حرمة المستلذات بل حرموها على أنفسهم لما سمعوا من شدائد المحاسبة والسؤال عن النعم ، قاله بعض المحققين فليتدبر .