فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ} (34)

{ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } استيقنوا أن الله المعبود بحق يعلم ما لا تعلمون ، فلا يعلم متى تنتهي الدنيا وتجيء الآخرة إلا الله عز وجل ، وهو الذي ينزل المطر فيغيث به العباد والبلاد ، ويسوقه سبحانه إلى حيث يشاء بقدر ما يشاء ويصرفه عمن يشاء ، وهو تعالى شأنه يصورنا في الأرحام كيف يشاء ، ويعطي كل جنين خلقه ، وييسره لما خلق له ، { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } ومع أن الآدمي منساق بغريزته إلى الكسب والجمع والتملك ، ومهما أوتي من حيلة ، وأخذ بكل أسباب الوصول ، فإن العاقبة تبقى بيد الفعال لما يريد : )ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده . . ( {[3483]} ، فما في مقدور إنسان أن يقرر ماذا هو فاعل غدا ؟ وماذا هو مدرك مما يطلب ؟ وماذا ينال من سراء أو ضراء ، من نعمة أو بلاء ، وليس في مقدور بشر أن يكون على دراية تامة بمصرعه أين يكون ، ، هل توافيه المنية حالا أم مرتحلا ؟ هل يفارق الحياة في الدار أم في العمل ؟ هل في مضجعه أم في مركبه أم في مستشفاه ؟ ! إن الله أحاط بكل شيء علما ، وهو ذو الخبرة بما كان وما سيكون وما هو كائن ، تعالى شأنه ، - هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها ، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب : ) . . لا يجليها لوقتها إلا هو . . ( {[3484]} وكذلك إنزال الغيث . . وهذه شبيهة بقوله تعالى : )وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو . . ( {[3485]} الآية ، وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب-{[3486]} في صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس إذ أتاه {[3487]} رجل يمشي فقال : يا رسول الله ! ما الإيمان ؟ قال : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته{[3488]} ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر " قال : يا رسول الله ! ما الإسلام ؟ قال : " الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " قال : يا رسول الله ! ما الإحسان ؟ قال " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال : يا رسول الله ! متى الساعة ؟ قال : " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها إذا ولدت المرأة{[3489]} ربتها فذاك من أشراطها وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها في خمس{[3490]} لا يعلمهن إلا الله{ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } ثم انصرف الرجل فقال " ردوه علي " فأخذوا ليردوا فلم يردوا شيئا فقال : " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم " ، وروايته عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " مفاتيح الغيب خمس ثم قرأ : { إن الله عنده علم الساعة } " " نقل صاحب تفسير غرائب القرآن عن التفسير الكبير : ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط . . . وإنما المراد أنه وقد حذر الناس من يوم القيامة ، كان لقائل أن يقول : متى الساعة ؟ فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ، ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مرارا ، وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض ، وخلق الأجنة في الأرحام ، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى ، ثم إنه كأنه قال : أيها السائل إن لك شيئا أهم منها لا تعلمه ، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك ، فلا تعلم{ ماذا تكسب غدا } مع أنه فعلك وزمانك ، ولا تعلم أين تموت ، مع أنه شغلك ومكانك ، فكيف تعلم قيام الساعة ؟ ! . . . قال جار الله : جعل العلم لله والدراية للعبد لما في معنى الدراية من معنى الختل والحيلة ، كأنه قال : إنها لا تعرف وإن أعملت حيلها . اه مما جاء في الجامع لأحكام القرآن : والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستسقي بالأنواء{[3491]} وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك . . وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم له تعالى وحده . اه .


[3483]:سورة فاطر. من الآية 2.
[3484]:سورة الأعراف. من الآية 187.
[3485]:سورة الأنعام. من الآية 59.
[3486]:ما بين العارضتين أورده ابن كثير، وقد أورد في تفسيرها أحاديث تزيد كلماته على ألف وخمسمائة كلمة.
[3487]:في رواية:" جاءه".
[3488]:في رواية:" وكتبه".
[3489]:في رواية(الأمة (.
[3490]:في رواية:" وخمس".
[3491]:وهي النجوم والمنازل للكواكب، وربما يكون هنا سقط، نحو: يعلمون شيئا، لكن هذا أورده القرطبي.