بالغداة والعشي : أي : في طرفي النهار ، وخصهما بالذكر ؛ لأنهما محل الغفلة ، وفيهما يشتغل الناس بأمور دنياهم .
وجهه : رضاه وطاعته ؛ لأن من رضي عن شخص يقبل عليه ، ومن غضب عليه يعرض عنه .
ولا تعد عيناك عنهم : لا تصرف عيناك عنهم إلى أبناء الدنيا ، والمراد : لا تحتقرهم ، وتصرف النظر إلى غيرهم لرثاثة منظرهم .
تريد زينة الحياة الدنيا : تطلب مجالسة ما لم يكن مثلهم من الأغنياء ، وأصحاب الثراء .
فرطا : تفريطا وتضييعا لما يجب عليه أن يتبعه من أمر الدين .
28- { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } .
لقد جاء الإسلام ؛ ليسوي بين الناس أمام الله ، فالخلق كلهم عيال الله ، يتفاضلون عنده بالتقوى ، ويدركون ثوابه بالعمل الصالح ، وكان كفار قريش وأغنياؤها ، يطلبون من النبي أن يطرد الفقراء عن مجلسه ، أو يجعل للأغنياء مجلسا خاصا بهم ، فإذا دخل هؤلاء الأغنياء في الإسلام ؛ دخل خلفهم خلق كثير من الأتباع لهم ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم حدّث نفسه ، بالاستجابة لهذا العرض ، أو فكر فيه .
فنزل القرآن الكريم ؛ يحثه على رفض هذا العرض ؛ فالإسلام دين الوحدة والجماعة ، وإذا دخل الإيمان في القلب ؛ أحب المؤمن بربه ، وأحب إخوانه المؤمنين ، وهانت عليه مظاهر الحياة ، والإسلام لا يحرم الغنى ولا المال ولا الجاه ، ما دام صاحبها يقدم أوامر الله وواجباته ؛ ولكن الإسلام يحرم أن يكون المال والجاه ، هما الهدف من هذه الحياة ؛ لأنهما في وضعهما الصحيح وسيلة إلى مرضاة الله ، والهدف الأساسي هو مرضاة الله وطاعته .
{ وصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } .
يقول القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم : صاحب وجالس هؤلاء المؤمنين ، الذين أخلصوا أنفسهم لله ، وتوجهوا إليه بالدعاء في الصباح والمساء .
{ ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } .
لا تتحول عنهم ، ولا تنصرف عنهم ، ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمع بها الأغنياء ، أصحاب زينة الحياة الدنيا .
قال ابن عباس : لا تجاوزهم إلى غيرهم ؛ تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة .
{ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } .
أي : لا تطع كلام الذين سألوك : طرد المؤمنين ؛ فقلوبهم غافلة عن ذكر الله وقد شغلوا عن الدين وعبادة ربهم بالدنيا .
{ واتبع هواه وكان أمره فرطا } .
لقد اتبعوا أهوائهم ، أهواء الجاهلية ، فالناس عندهم قسمان قسم : غني قوي بسلطان ووجاهة ، وهؤلاء يحكمون ويفكرون ويملكون ، وهم أهل الوجاهة والسيادة . وقسم : فقير ضائع ، لا يجوز أن يفكر ولا أن يجلس مع الأغنياء .
فلما جاء الإسلام ؛ رفض هذا المنطق ؛ وبين : أن الناس أمام الله سواء ؛ يتفاضلون عنده بالتقوى ويدركون ثوابه بالعمل الصالح .
{ وكان أمره فرطا } . أي : كان أمره ضياعا ، وهلاكا ، ودمارا .
معناه : وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقر أهل الإيمان ، سرفا قد تجاوز حده ؛ فضيع بذلك الحق وهلك .
روى الشيخان عن سهيل بن سعد الساعدي قال : مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس : ( ما رأيك في هذا ؟ ) فقال رجل من أشرف الناس : هذا والله حري إن خطب أن يزوّج ، وإن شفع أن يشفّع ؛ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل آخر من فقراء المسلمين فقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل : ( ما رأيك في هذا ؟ ) قال يا رسول الله ، هذا رجل من فقراء المسلمين . هذا والله حري إن خطب ألا يزوّج ، وإن شفع ألا يشفّع ، وإن قال ألا يسمع لقوله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا )30 .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله ، لا يريدون بذلك إلا وجهه ؛ إلا ناداهم مناد من السماء : أن قوموا مغفورا لكم ؛ قد بُدّلت سيئاتكم حسنات )31 .
قوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) في سبب نزول هذه الآية روي عن سلمان الفارسي قوله : جاءت المؤلفة القلوب إلى رسول الله ( ص ) : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا : يا رسول الله إنك لو جلست في صدر المجلس ونحّيت عنّا هؤلاء ، يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك ، فأنزل الله الآية فقام النبي ( ص ) يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى قال : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا ، ومعكم الممات " {[2801]} .
هذه قاعدة من قواعد الإسلام الثابتة التي لا تتبدل ولا يأتي عليها الزمان ؛ وهي تكريم الإنسان المؤمن أيما تكريم ، بغض النظر عن سائر أوصافه وأحواله من الفقر أو القلة أو الذلة . فما يعبأ الإسلام بتصورات البشر الدنيوية واعتباراتهم الاجتماعية ؛ إذ يعظمون الأغنياء والرؤساء والكبراء وأولي المكانة والجاه ، ويحقرون الفقراء والعالة والصعاليك ، ويمتهنون المغلوبين والمقهورين من الخول والعبيد والملونين وإن كانوا من المؤمنين الطيبين !
لا يعبأ الإسلام بهذا التصور البشري القاصر المستهجن . إنما ينظر الإسلام للإنسان نظرة تقدير وتكريم لكونه إنسانا ( ولقد كرمنا بني آدم ) ثم يزيد الإسلام من تعظيم الإنسان إذ تحقق فيه سببان وهما الإيمان والعلم . فأكثر الناس إيمانا وأزيدهم علما لهو في ميزان الله مكرم مفضال ، سواء كان في واقعه الاجتماعي خادما أو مملوكا أو صعلوكا أو عائلا مفتقرا أو دميما ملهوفا رثَّ مبتذل اللباس .
هذه حقيقة يرسخها الإسلام في واقع المسلمين لتكون قاعدة أساسية لا محيد عنها . لذلك يأمر الله نبيه محمدا ( ص ) أن يصبر نفسه مع الفقراء والمغلوبين والعالة من المؤمنين فلا يبرحهم أو يزدريهم ، كما سأله فريق من وجهاء قريش وهم يؤزهم إلى سؤالهم هذا تصورهم الجاهلي السقيم الذي يميزون فيه بين العباد تبعا للمال أو الجاه أو السلطان . وهو قوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) ( اصبر ) ، من الصبر ، وهو الحبس ؛ أي احبس نفسك وثبتها مع المؤمنين الطائعين الذين يعبدون ربهم ( بالغداة والعشي ) أول النهار وآخره . والمراد جلوسه ( ص ) مع الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويتذللون له بالدعاء بكرة وعشيا سواء كانوا أغنياء أو فقراء ، أو ضعفاء ، أو أقوياء ، كبلال ، وعمار ، وصهيب ، وخباب ، وسلمان ، وابن مسعود وغيرهم من المؤمنين المستضعفين في تصور الجاهليين .
قوله : ( ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) ( ولا تعد ) ، أي لا تجاوز . عداه يعدوه أي جاوزه . والتعدي معناه مجاوزة الشيء إلى غيره . عدّاه تعدية فتعدى أي تجاوز . وعدّ عما ترى أي اصرف بصرك عنه{[2802]} والمراد : لا تعل عيناك عنهم ، أو لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أهل الدنيا ( تريد زينة الحياة الدنيا ) في موضع نصب للحال . أي لا تصرف بصرك عنهم مبتغيا غيرهم من ذوي الهيئات والزينة وأولي الرياش وحسن المظهر .
قوله : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية أنه قال : نزلت في أمية بن خلف الجمحي . وذلك انه دعا النبي ( ص ) إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة ، فأنزل الله الآية{[2803]} . والمعنى : لا تكن مطيعا لمن ختمنا على قلبه فبات غافلا عن الإيمان وعن ذكر ربه ، كأمية بن خلف وأمثاله من أولي القلوب الغُلْف التي طبع عليها فلا تستجيب لذكرى ولا تتعظ من عبرة . وهو مع ذلك لا يتبع غير هواه ؛ إذ يؤثره على التوحيد وعلى الحق ، فاختار الشرط والباطل . ( وكان أمره فرطا ) فرط ، بضمتين ؛ أي مجاوز للحد . والمراد : أنه سادر في الباطل ، مجاوز عن الحق ، نابذ له وراء ظهره{[2804]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.