تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ} (138)

136

المفردات :

صبغة الله : فطرة الله التي أفطر الناس عليها فإنها حيلة الإنسان ، كما أن الصبغة حيلة المصبوغ .

التفسير

138- صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ، صبغة الله : قال ابن عباس : دين الله ، وانتصاب صبغة الله على الإغراء كقوله( فطرة الله ) أي ألزموا ذلك عليكموه ، وقال بعضهم بدلا من قوله ملة إبراهيم .

وقال سيبويه : هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله تعالى : آمنا بالله ، كقوله وعد الله( 318 ) .

والاستفهام في قوله : ومن أحسن من الله صبغة . للإنكار والنفي .

والمعنى : لا أحد أحسن من الله صبغة لأنه هو الذي يصبغ عباده بالإيمان ، ويطهرهم من أدران الكفر والضلال ، فهي صبغة ثابتة لا تزول لأن الإيمان متى خالطت بشاشته القلوب يرتد عنه أحد سخطة له ، وبخلاف ما يتلقنه أهل الكتاب عن أحبارهم ورهبانهم من الأديان الباطلة فهو من الصبغة البشرية التي تجعل الدين الواحد أديانا مختلفة ومذاهب متنافرة .

وهذا التركيب : ومن أحسن من الله صبغة . يدل بحسب أصل الوضع اللغوي على نفي أن يكون دينا أفضل من دين الله ، ويبقى احتمال أن يوجد دين يساويه في الحسن ، وهذا الاحتمال لم ينفه التركيب بحسب أصل الوضع ولكن مثل هذا التركيب صار أسلوبا يفهم منه بمعونة مقام المدح نفي مساواة دين لدين الله في الحسن ، كما يفهم منه نفي أن يكون هناك دين أحسن منه ، وأفضلية دين الله من جهة هدايته إلى الاعتقاد الحق ، والأخلاق الكريمة ، والآداب السمحة ، والعبادات الصحيحة ، والسياسة الرشيدة ، والمعاملات القائمة على رعاية المصالح .

وقوله تعالى : ونحن له عابدون . عطف على آمنا بالله ، في قوله تعالى : قولوا آمنا بالله ، والمعنى : قل لهم يا محمد إننا معشر المسلمين نعبد الله وحده وصبغته هي صبغتنا ولا نعبد غيره ، فلا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا يزيدون في ديننا وينقصون ، ويحلون ويحرمون ، ويمحون من النفوس صبغة التوحيد ، ليحلوا محلها بأهوائهم صبغة الشرك والكفر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ} (138)

قوله تعالى : { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) المراد بالصبغة هنا الإسلام وهو دين الله الحق القائم على الفطرة والحنيفية . وقد سمي بذلك على سبيل الاستعارة والمجاز ؛ وذلك لبدوّ مظاهره وأعماله على الإنسان المتدين كما يبدو أثر الصبغ على الثوب ، فالمتدين يتجلى في أفعاله وأقواله كل معاني الدين ومظاهره ، وهو في جميع سلوكه وتصرفاته الشكلية والمظهرية والعملية إنما يسير على هدى من الدين وما يحتويه من مبادئ وقيم . وقوله : ( صبغة ) منصوب على المفعولية لفعل محذوف تقديره الزموا أو اتبعوا وقيل : منصوب على الإغراء ؛ أي عليكم صبغة الله . وقيل : بدل من ملة{[144]} .

قوله : ( ومن أحسن من الله صبغة ) ( ومن ) اسم استفهام في محل رفع على الابتداء ، ( أحسن ) خبر مرفوع ، ( صبغة ) منصوب على التمييز . وذلك سؤال إنكاري . أي ليس من صبغة أحسن من صبغة الله . ليس من دين ولا ملة ولا عقيدة ولا رسالة عرفتها البشرية خير من الإسلام . لا جرم أن الإسلام خير ما عرفت الدنيا من عقائد وملل ومبادئ . وذلك بما يتميز به الإسلام من خصائص عظيمة تخلو منها عامة المذاهب والعقائد والتصورات الأخرى . وبذلك يندد الله تنديدا بالذين يصطنعون لأنفسهم صبغة غير صبغة الإسلام ، كالذين ينتحلون الشرائع والمذاهب والأفكار الضالة يختلقونها من عند أنفسهم لتكون بديلا عن صبغة الله وهي الإسلام . وأيما اختلاق مقبوح كهذا فإنه الكفران والاستكبار والتمرد على الله ، والعياذ بالله .

قوله : { ونحن له عابدون } جملة إسمية مبتدأها الضمير ( ونحن ) وخبره ( عابدون ) أما الواو فهي عطف على قوله ( آمنا بالله ) كذلك يقول المؤمنون الصادقون فهم يقرون أنهم عابدون لله ، ماضون على منهجه الثابت القويم ليظلوا على الدوام عابدين لله ممتثلين لأمره خاضعين لسلطانه وجبروته .


[144]:- اليبان للأنباري جـ 1 ص 126.