تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ} (52)

المفردات :

في قلوبهم مرض : شك ونفاق .

أن تصيبنا : ان تدركنا وتستأصلنا . من أصاب الشيء : أدركه واستأصله .

دائرة : الدائرة : الهزيمة ، أو الداهية . يقال : دارت عليهم الدوائر . أي : نزلت بهم الدواهي .

التفسير :

52- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ . . . الآية .

نزلت هذه الآية في المنافقين . كانوا يصلون حبالهم باليهود خوفا من وقوع هزيمة بالمسلمين .

روى ابن الجوزي أن اليهود والنصارى كانوا يجلبون الطعام والميرة للمنافقين ويقرضونهم فيوادونهم فلما نزلت : لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء . قال المنافقون : كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . وممن قال : نزلت في المنافقين ولم يعين مجاهد وقتادة {[264]} والمراد بالمرض الشك والنفاق . ومعنى يسارعون فيهم . أي : يسارعون في موالاتهم ، أو معاونتهم على المسلمين .

والمعنى : يا محمد فترى أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإسلام مسارعة الداخل في الشيء أي : أنهم مستقرون في مودتهم .

يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ . أي : يقولون في أنفسهم ، أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي يدور بها الزمان ، كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم ؛ لنتقي شرهم ولننال عونهم في الملمات والضوائق .

فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ . وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين بان يحقق لهم الغلبة على أعدائهم والقضاء عليهم . والمراد بالفتح : فتح مكة ، أو فتح خيبر او فتح بلاد المشركين أو نصر الإسلام وإعزازه ، وكل ذلك قد كان . أو أمر من عنده . أي : أن يأتي الله بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة مثل : القضاء على اليهود وقطع دابرهم أو هو الخصب والسعة للمسلمين ، بعد أن كانوا في ضيق من العيش ، أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى ، أو هو إظهار أمر المنافقين . والحق أن كل ذلك قد حققه للمسلمين .

فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . أي : فيصبح هؤلاء المنافقون بعد أن جاء الفتح والنصر ، آسفين متحسرين بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد أو خائب " أو إذا ما عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب " {[265]}


[264]:زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/378.
[265]:تفسير الطبري 6/218.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ} (52)

قوله تعالى : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ( 52 ) ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } الفاء في قوله : { فترى } تفيد ترتب مآل المنافقين على عدم هدايتهم . والمراد بالذين في قلوبهم مرض ، المنافقون مثل عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين وقوله : { يسارعون فيهم } حال من المفعول به . أي يسارعون في موالاة اليهود والنصارى وموادتهم ، لأنهم كانوا أهل مال وثراء وكانوا يعينونهم على مهماتهم ، وملماتهم إذ يقرضونهم المال .

قوله : { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } الدائر في اللغة ما أحاط بالشيء أو الحلقة . ويراد بها هنا الداهية والهزيمة ، أي نخشى أن يدور الدهر علينا بداهية أو مصيبة كأن ينقلب الأمر للكفار وتكون الدولة لهم على المسلمين فنحتاج إليهم . أو نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه كالجدب والقحط فلا يميروننا ولا يقرضوننا . إلى غير ذلك من وجوه المعاذير الباطلة المصطنعة التي يبرر بها المنافقون موالاتهم للكافرين فيقفون معهم ويؤيدونهم ضد المسلمين . لا جرم أنها مبررات وأسباب كاذبة مرفوضة لا تتفق مع أبسط المقادير من الإيمان بالله الذي وعد عباده المؤمنين المخلصين بالنصر فقال : { فعسى الله أن يأتي بالفتح } كلمة ( عسى ) من الله وعد محتوم . ووجه ذلك أن الكريم إذا وعد خيرا فعله دون أن ينثني أو يخلف . فكيف إذا كان الواعد أكرم الأكرمين ؟ ! والمراد بالفتح موضع خلاف فقد قيل : فتح مكة . وقيل : فتح بلاد الكفار . وقيل : معناه القضاء الفصل بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين وإعلاء شأن الإسلام .

قوله : { أو أمر من عنده } أي إظهار نفاق المنافقين والأمر بقتلهم لما استبان كفرهم واستبانت أسماؤهم . وقيل : الخصب والسعة . قوله : { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } هؤلاء المنافقين الذين تولوا الكافرين واستيأسوا من ظهور الإسلام ، إذا رأوا نصر رسول الله والمؤمنين عضهم الندم لما كانوا يحدثون به أنفسهم وهو شكهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقادهم أن الغلبة والدولة{[1003]} لهؤلاء الكافرين{[1004]} .


[1003]:- الدولة بفتح الدال. وذلك في الحرب، أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى. يقال: كانت لنا عليهم الدولة. أدالنا الله من عدونا من الدولة. والإدالة بمعنى الغلبة. يقال: اللهم أدلني على فلان وإنصرني عليه ودالت الأيام أي دارت، والله يداولها بين الناس. انظر مختار الصحاح ص 216.
[1004]:- الكشاف ج 1 ص 620 وروح المعاني ج 6 ص 158.