أن تصيبنا : ان تدركنا وتستأصلنا . من أصاب الشيء : أدركه واستأصله .
دائرة : الدائرة : الهزيمة ، أو الداهية . يقال : دارت عليهم الدوائر . أي : نزلت بهم الدواهي .
52- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ . . . الآية .
نزلت هذه الآية في المنافقين . كانوا يصلون حبالهم باليهود خوفا من وقوع هزيمة بالمسلمين .
روى ابن الجوزي أن اليهود والنصارى كانوا يجلبون الطعام والميرة للمنافقين ويقرضونهم فيوادونهم فلما نزلت : لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء . قال المنافقون : كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . وممن قال : نزلت في المنافقين ولم يعين مجاهد وقتادة {[264]} والمراد بالمرض الشك والنفاق . ومعنى يسارعون فيهم . أي : يسارعون في موالاتهم ، أو معاونتهم على المسلمين .
والمعنى : يا محمد فترى أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإسلام مسارعة الداخل في الشيء أي : أنهم مستقرون في مودتهم .
يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ . أي : يقولون في أنفسهم ، أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي يدور بها الزمان ، كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم ؛ لنتقي شرهم ولننال عونهم في الملمات والضوائق .
فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ . وهو وعد من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين بان يحقق لهم الغلبة على أعدائهم والقضاء عليهم . والمراد بالفتح : فتح مكة ، أو فتح خيبر او فتح بلاد المشركين أو نصر الإسلام وإعزازه ، وكل ذلك قد كان . أو أمر من عنده . أي : أن يأتي الله بأمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة مثل : القضاء على اليهود وقطع دابرهم أو هو الخصب والسعة للمسلمين ، بعد أن كانوا في ضيق من العيش ، أو هو الجزية التي تفرض على اليهود والنصارى ، أو هو إظهار أمر المنافقين . والحق أن كل ذلك قد حققه للمسلمين .
فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . أي : فيصبح هؤلاء المنافقون بعد أن جاء الفتح والنصر ، آسفين متحسرين بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد أو خائب " أو إذا ما عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب " {[265]}
قوله تعالى : { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ( 52 ) ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } الفاء في قوله : { فترى } تفيد ترتب مآل المنافقين على عدم هدايتهم . والمراد بالذين في قلوبهم مرض ، المنافقون مثل عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين وقوله : { يسارعون فيهم } حال من المفعول به . أي يسارعون في موالاة اليهود والنصارى وموادتهم ، لأنهم كانوا أهل مال وثراء وكانوا يعينونهم على مهماتهم ، وملماتهم إذ يقرضونهم المال .
قوله : { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } الدائر في اللغة ما أحاط بالشيء أو الحلقة . ويراد بها هنا الداهية والهزيمة ، أي نخشى أن يدور الدهر علينا بداهية أو مصيبة كأن ينقلب الأمر للكفار وتكون الدولة لهم على المسلمين فنحتاج إليهم . أو نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه كالجدب والقحط فلا يميروننا ولا يقرضوننا . إلى غير ذلك من وجوه المعاذير الباطلة المصطنعة التي يبرر بها المنافقون موالاتهم للكافرين فيقفون معهم ويؤيدونهم ضد المسلمين . لا جرم أنها مبررات وأسباب كاذبة مرفوضة لا تتفق مع أبسط المقادير من الإيمان بالله الذي وعد عباده المؤمنين المخلصين بالنصر فقال : { فعسى الله أن يأتي بالفتح } كلمة ( عسى ) من الله وعد محتوم . ووجه ذلك أن الكريم إذا وعد خيرا فعله دون أن ينثني أو يخلف . فكيف إذا كان الواعد أكرم الأكرمين ؟ ! والمراد بالفتح موضع خلاف فقد قيل : فتح مكة . وقيل : فتح بلاد الكفار . وقيل : معناه القضاء الفصل بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين وإعلاء شأن الإسلام .
قوله : { أو أمر من عنده } أي إظهار نفاق المنافقين والأمر بقتلهم لما استبان كفرهم واستبانت أسماؤهم . وقيل : الخصب والسعة . قوله : { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } هؤلاء المنافقين الذين تولوا الكافرين واستيأسوا من ظهور الإسلام ، إذا رأوا نصر رسول الله والمؤمنين عضهم الندم لما كانوا يحدثون به أنفسهم وهو شكهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقادهم أن الغلبة والدولة{[1003]} لهؤلاء الكافرين{[1004]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.