تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

{ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزؤا أولئك لهم عذاب مهين ( 6 ) وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم( 7 ) }

المفردات :

لهو الحديث : كل ما كان من الحديث وكان ملهيا عن سبيل الله مما نهى أو رسوله عن الاستماع إليه واختار ذلك الطبري .

ليضل : ليصد ويمنع .

سبيل الله : دينه الموصل إليه أو كتابه الهادي كله .

هزؤا : يكذب بها أو يستهزئ بها وقد قرأ جميع القراء " هزؤا " إلا حفصا فإنه أبدل من الهمزة واوا مفتوحة على أصل التخفيف .

التفسير :

{ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزؤا أولئك لهم عذاب مهين . }

{ من الناس }

من يؤثر الباطل على الحق والكفر على الإيمان ويؤثر أحاديث الباطل وأغاني المجون وتحريك الهوى على القرآن والإيمان { بغير علم } ، بأهمية الحق والقرآن والإيمان في سلامة الفرد والمجتمع أو بغير بصيرة حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق جهلا منه بالضلال الذي يسير فيه .

{ ويتخذها هزؤا . . . . } يتخذ آيات الله ووحيه سخرية حيث يكذب بها ويستهزئ بها .

{ أولئك لهم عذاب مهين . } هؤلاء أصدقاء الباطل وأعداء الحق لهم عذاب شديد مذل مهين لهم جزاء عنادهم ومكابرتهم .

وقد ذكر جمهور المفسرين أن الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخرج تاجرا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم وفي بعض الروايات كتب الأعاجم فيرويها ، ويحدث بها قريشا ويقول لهم إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فنزلت هذه الآيات .

ذكر ذلك ابن عطية في تفسيره وابن العربي والقرطبي وابن الجوزي والألوسي والواحدي في أسباب النزول والسيوطي في الدر المنثور مع اختلاف عباراتهم في حكاية ذلك بين التطويل والاختصار .

هل تدل هذه الآية على تحريم الغناء ؟

ذكر الطبري وغيره في تفسير هذه الآية أنها نزلت في قرشي اشترى مغنية شغل بها الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم

وروى الترمذي في سننه ( 5 /346/التفسير ) عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، قال : " لا تبيعوا القينات ولا تشربوهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام " وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث . . . } الآية .

قال الترمذي هذا حديث غريب إنما يروي من حديث القاسم عن أبي أمامة والقاسم ثقة ، وعلى بن يزيد يضعف في الحديث .

وقال ابن كثير عن هذا الحديث في تفسيره ( 3/442 ) على وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء والله أعلم .

وقال ابن عطية في تفسيره ( 11/484 ) والذي يترجح أن الآية في لهو حديث مضاف إلى كفر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله : { ليضل عن سبيل الله بغير علم و يتخذها هزؤا . . . } وبالتوعد بالعذاب المهين وأما لفظة الشراء فتحتمل الحقيقة والمجاز . أه .

أما الحقيقة فإن النضر بن الحارث كان يشتري كتب الأعاجم وينقل منها حديث رستم واسفنديار ويقول : إن حديثي أحسن حديثا من محمد .

وأما المجاز فالمراد بالشراء هنا الاختيار والاستحسان والترغيب في الباطل حتى يشغل الناس عن القرآن والإسلام قال تعالى : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين } . ( البقرة : 16 ) .

وقال قتادة : اشتراؤه : استحبابه ، يختارون حديث الباطل على حديث الحق .

من تفسير القرطبي :

ذكر القرطبي في تفسيره ( 14/54 ) حديث أبي أمامة وآثارا بنحوه في ذم الغناء والتحذير منه ثم قال : ولهذه الآثار وغيرها ، قال العلماء بتحريم الغناء وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس ويبعث على الهوى والغزل ، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات : لا يختلف في تحريمه لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق .

فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، فأما ما ابتدع اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام .

وقد استطرد القرطبي في تفصيل أحكام الغناء والسماع كما فصل الألوسي ذاك أيضا عند تفسيره هذه الآية وأطال فيه . i

من الدر المختار :

التغني لنفسه لدفع الوحشة لا باس به عند العامة ، على ما في ( العناية ) وصححه العيني وغيره وإليه ذهب شمس الدين السرخسي قال : ولو كان فيه وعظ وحكمة فجائز اتفاقا ومنهم من أجازه في العرس كما جاز ضرب الدف فيه ومنهم من أباحه مطلقا ومنهم من كرهه مطلقا انتهى كلام الدر .

من تفسير الألوسي :

ومثل الاختلاف في الغناء الاختلاف في السماع فأباحه قوم كما أباحوا الغناء واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن عائشة قالت : " دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه . "

وفي رواية لمسلم تسجى بثوبه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " دعهما " فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد . ii

والحق أن الغناء الذي لا يحرك الشهوة ولا يحث على الفجور وشرب الخمور يجوز في المناسبات كالعيدين كما ورد في حديث البخاري السابق عن عائشة وكالعرس لما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما علم بزواج قتادة قال : " هلا بعثتم معها من يقول :

أتيناكم أتيناكم *** فحيونا نحييكم

فلولا الحبة السعرا *** ءُ لم نحلل بواديكمiii

وعند التنشيط على القيام بالأعمال الشاقة كغناء وأناشيد أصحاب الحرف والصناعات وكحداء الإبل للصبر على قطع المفاوز واجتياز الصحراء كما يجوز سماع ذلك والله أعلم . iv

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

قوله تعالى : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية . قال الكلبي ، ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم فيحدث بها قريشاً ، ويقول : إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فأنزل الله هذه الآية . وقال مجاهد : يعني شراء القيان والمغنين ، ووجه الكلام على هذا التأويل : من يشتري ذات أو ذا لهو الحديث .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزني ، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أنبأنا علي بن حجر ، أنبأنا مشمعل بن ملحان الطائي ، عن مطرح بن يزيد ، عن عبد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام ، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ليضل عن سبيل الله وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب ، والآخر على هذا المنكب ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت " .

أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال ، أنبأنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي ، أنبأنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي ، أنبأنا محمد بن غالب بن تمام ، أنبأنا خالد بن مرثد ، أنبأنا حماد بن زيد ، عن هشام هو ابن حسان ، عن محمد هو ابن سيرين ، عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة " . قال مكحول : من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه ، إن الله يقول : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية . وعن عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير قالوا : لهو الحديث هو الغناء ، والآية نزلت فيه . ومعنى قوله : { يشتري لهو الحديث } أي : يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، قال أبو الصهباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات . وقال إبراهيم النخعي : الغناء ينبت النفاق في القلب ، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف . وقيل : الغناء رقية الزنا . وقال ابن جريج : هو الطبل . وعن الضحاك قال : هو الشرك . وقال قتادة : هو كل لهو ولعب . { ليضل عن سبيل الله بغير علم } أي : يفعله عن جهل . قال قتادة : بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق . قوله تعالى : { ويتخذها هزواً } قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب : { ويتخذها } بنصب الذال عطفاً على قوله : ليضل ، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله : يشتري . { أولئك لهم عذاب مهين* وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم* إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم* خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم* }

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (6)

ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى من الناس ، كانا على النقيض من سابقيهم ، فقال : { وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي . . . فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .

قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا فى النضر بن الحارث . اشترى قينة - أى مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه .

و { لَهْوَ الحديث } : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - :

وقد فسر كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا .

و { مِنَ } فى قوله { وَمِنَ الناس } للتبعيض ، أى : ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة .

قال القرطبى ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على كارهة الغناء والمنع منه . ولا يختلف فى تحريم الذى يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون . . فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان فى حفر الخندق . .

وقوله : { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } تعليل لاشتراء لهو الحديث . والمراد بسبيل الله - تعالى - : دينه وطريقه الذى اختاره لعباده .

وقد قرأ الجمهور : { ليُضل } بضم الياء - أى : يشرتى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكى يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليَضل } - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ضلاله .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضمر بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإِسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح ؟ .

قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذى كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده فإن المخذوف كان شتديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه . والثانى : أن بوضع ليضَل موضع ليضُل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف على المردوف . .

وقوله : { أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية .

أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عند دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان .