تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (114)

المفردات :

نجواهم : النجوى : المسارة بالحديث بين اثنين فأكثر قاله الزجاج . وعرفها بعضهم : بالحديث الذي ينفرد به اثنان فأكثر ، سرا أو جهرا . وعلى كل فضمير نجواهم للناس عامة ؛ لأن الحكم عام .

أو معروف : هو ما عرف حسنه شرعا أو عرفا . فينتظم أصناف البر والخير .

ابتغاء مرضاة الله : طلبا لرضاه .

التفسير :

114- لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ . . . الآية

لما بين الله تعالى- قبل هذه الآية- أنه أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، الكتاب والحكمة ، وعلمه ما لم يكن يعلم : أتبعه ذكر بعض ما أنزله عليه من الكتاب والحكمة مما يدعم أواصر المحبة بين الناس ، ويقضي على أسباب النزاع بينهم . كما أن فيه ردا على من كان يحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن يقضي لصالح من سرق الدرع وخبأها عند اليهودي ، فيبرئه ويقضي على اليهودي ! !

والمعنى : لا خير في أحاديث الناس فيما بينهم ، إلا في حديث من أمر بصدقه- واجبة كانت أومتطوعا بها ، أو أمر بما عرف حسنه شرعا أو عرفا ، ولم يعارض قاعدة شرعية ، تقبله العقول الخالصة من الهوى بالرضاء ، أو أمر بالإصلاح بين الناس ؛ حتى يحل الوئام محل الخصام .

فهذه الجهات الثلاث ، هي التي تكون النجوى- أي : الحديث الجانبي فيها- خيرا مشروعا مثابا عليه .

أما الأحاديث الجانبية التي يتآمر فيها المتآمرون على الإضرار بعباد الله ، أو يتناجى فيها المتناجون بالمعاصي والهذيان ؛ فلا خير فيها ولا ثواب عليها ، بل يعاقب عليها ؛ لأنها كانت في معصية الله تعالى .

فإنما يثاب الإنسان على المعروف ، إذا ترك الامتنان والإعجاب به ، ولا يتم المعروف- كما قال ابن عباس- رضي الله عنهما- " إلا بثلاث : تعجيله ، وتصغيره ، وستره . فإذا عجلته هنأته {[93]} وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته'' .

وقد دعت الآية الكريمة إلى فضيلة الإصلاح بين الناس ، وجعلتها خيرا مثابا عليه ؛ لما لها من الأثر العظيم فيهم ، حيث تحل الوئام محا الخصام ، والراحة النفسية محل القلق ، والتفكير في الخير مكان التفكير في الشر ؛ فيسود الأمن والسلام .

وقد أباح الإسلام الكذب الأبيض في سبيل الإصلاح ، مع أن الكذب_ بصفة عامة- حرام ؛ لأن هذا غير ضار بأحد . وهو مؤد إلى مصلحة مؤكدة ، كأن تقول لكلا الخصمين عن صاحبه : سمعته يثني عليك ويصفك بطيب النية ، وحسن الطوية والمروءة ، ونحو ذلك مما يلين قلب الخصم نحو أخيه في حين أنك لم تسمع ذلك منه .

وذلك يروي حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه- أم كلثوم بنت عقبة- أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ''ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ، فينمي خيرا أو يقول خيرا'' وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس ، إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها {[94]} .

وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا . أي : ومن يتناج ويتحدث مع غيره- في خلوة- بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس ، ويرشده إليها وينصحه بها ؛ فسوف يعطيه الله على ذلك ثوابا جزيلا : يناسب عظمة المنعم .

وإذا كان ثواب التناجي بها ، والإرشاد إليها ، فثواب فعلها أعظم .

أما أن يأمر بها الإنسان ولا يفعلها ، فذلك جرمه عظيم ، ووعيده شديد ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ . ( الصف : 2-3 )


[93]:أي: جعلته هنيئا لأخذه مسعفا بمطلوبه.
[94]:ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس رواه البخاري في الصلح (2692) ومسلم في البر(2605) وأبو داود في الأدب (4921،4920) وأحمد في مسنده (26728) من حديث أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (114)

قوله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم } ، يعني : قوم طعمة ، وقال مجاهد : الآية عامة في حق جميع الناس ، والنجوى : هي الإسرار في التدبير ، وقيل : النجوى ما يتفرد بتدبيره قوم سراً كان أو جهراً ، فمعنى الآية : لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم .

قوله تعالى : { إلا من أمر بصدقة } أي : إلا في نجوى من أمر بصدقة ، فالنجوى يكون متصلا ، وقيل : هاهنا : الرجال المتناجون ، كما قال تعالى { وإذ هم نجوى } [ الإسراء :47 ] { إلا من أمر بصدقة } وقيل هذا استثناء منقطع ، يعني لكن من أمر بصدقة أي : حث عليها .

قوله تعالى : { أو معروف } ، أي : بطاعة الله ، وما يعرفه الشرع ، وأعمال البر كلها معروف ، لأن العقول تعرفها .

قوله تعالى : { أو إصلاح بين الناس } .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو بكر بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، أنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم هو ابن أبي الجعد عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة ؟ قال : قلنا بلى ، قال : إصلاح ذات البين ، وإن إفساد ذات البين هي الحالقة ) .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم مكتوم بنت عقبة ، وكانت من المهاجرات الأول ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليس الكذاب من أصلح بين الناس فقال خيراً ، أو نمى خيراً ) .

قوله تعالى : { ومن يفعل ذلك } أي : هذه الأشياء التي ذكرها .

قوله تعالى : { ابتغاء مرضاة الله } ، أي : طلب رضاه .

قوله تعالى : { فسوف نؤتيه } ، في الآخرة .

قوله تعالى : { أجراً عظيماً } ، قرأ أبو عمرو وحمزة { يؤتيه } بالياء ، يعني : يؤتيه الله ، وقرأ الآخرون بالنون .