تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

المفردات :

نكالا من الله : أي : عقابا من الله ، ينكل به السارق ، أي : يردع عن معاودة السرقة ، ويحذر به هو وغيره من فعلها .

قال صاحب القاموس : النكال : ما نكلت به غيرك كائنا ما كان .

وقال أيضا : ونكل به تنكيلا : صنع به صنيعا بحذر غيره .

والله عزيز : أي : غالب ، فلا يفوته المعتدون .

حكيم : في شرع هذا الحد ؛ لما فيه من الردع .

التفسير :

38- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

بعد أن بين حكم قاطع الطريق ، تكلم عن عقوبة السارق والسارقة ، وفي سورة النور بدأ الله بالزانية فقال تعالى :

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ماِئَةَ جَلْدَةٍ . لأن الزني من المرأة أفحش ، ولان الحبل يظهر منها ، ولأن أسرتها تصيبها المعرة ، ولأن شهوة الاستمتاع على النساء أغلب ، وحب المال على الرجال أغلب ، والرجل على السرقة أجرأ {[225]} فناسب أن يبدأ في السرقة بالرجل ، وفي الزنى بالمرأة .

والسارق : هو الذي يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله ، ولا شبهة له فيه ، دون طعن بسلاح أو تهديد به ، فإن طعن بسلاح أو هدد به- وهو ما يعرف الآن : بالسطو المسلح- فحكمه حكم قاطع الطريق ، الذي يسعى في الأرض فسادا .

ولا يعاقب السارق هذا العقاب إلا إذا كان بالغا عاقلا ، غير مالك للمسروق منه ولا ولاية له عليه ؛ فلا تقطع يد صبي ولا مجنون ، ولا يد سيد أخذ مال عبده ، ولا يد عبد سرق مال سيده بإجماع الصحابة ، ولا يقطع الوالدان بسرقة مال ولدهما ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك " {[226]} وقيل : تقطع يد الابن إذا سرق ما أبوبه . والراجح أنه لا يقطع لأن الابن ينبسط في مال أبيه كالعادة .

وإذا استكمل هذه الشروط ؛ فلا تقطع يده إلا إذا سرق ما قيمته ربع دينار .

روى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " {[227]} .

وقال أبو حنيفة وصاحباه والثورى : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا أو وزنا ، ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ، وحجتهم حديث ابن عباس قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ، أخرجهما الدارقطني وغيره .

ومن العلماء من قال : لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم ، و منهم من قال : لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم ، ومنهم من قال : لا تقطع اليد إلا في ثلاثة دراهم ، ومنهم من قال : تقطع اليد في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ، وهو قوم الخوارج .

قال القرطبي : وهذه الأقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك . اه .

إن التضخم ، وتدني قيمة النقود ، تجعل رأي الحنفية أولى بالاعتبار .

روى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " {[228]} .

وعلى الحاكم أن يتثبت بعناية من واقعة السرقة ، وظروفها ودواعيها ، وان يعدل عن القطع عند وجود شبهة .

وتقطع يد السارق اليمنى من الكوع عند المفصل الذي بين الساعد والكف . فإن سرق ثانيا ؛ قطعت رجله اليسرى من مفصل الرجل .

فإن سرق ثالثا ؛ قطعت يده اليسرى ، فإن سرق رابعا ؛ قطعت رجله اليمنى ، فإن سرق بعد ذلك عزر بما يراه الحاكم رداعا مانعا ، وروى عن أحمد انه لا تقطع اليد اليسرى ولا الرجل اليمنى وهو قول أبي بكر وعمر وأبي حنيفة ، وروى عنه أنها تقطع ، وبه قال مالك والشافعي {[229]} .

وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع ، وذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافا {[230]} .

وتثبت السرقة بالبينة والإقرار .

ملاحظة :

يرى بعض الفقهاء أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق ، وأكثر الفقهاء يرون أنه لا قطع عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع على خائن " {[231]} .

أما من ذهب إلى أن جاحد العارية تقطع يده كالسارق فقد استدل بما رواه الشيخان عن عائشة قالت : كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : " لا أراك تكلمني في حد من حدود الله تعالى ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا وقال : " إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " {[232]}

قال : فقطع يدها .

وجاء البخاري أنها سرقت ، وجاء في مسلم أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده . وقد توسع العلماء والفقهاء والمفسرون في تفسير هذه الآية وخصوصا التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية ، ومثال ذلك أن القرطبي بين أن هذه الآية فيها سبع وعسرون مسألة كتبها في 15 صفحة ومن نماذج تفسير القرطبي ما يأتي :

المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : فاقطعوا . القطع معناه : الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه وفي صفته .

1- فأما ما يعتبر في السارق فأربعة أوصاف وهي : البلوغ ، والعقل ، وأن يكون غير مالك المسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ؛ فلا يقطع العبد إن سرق مال سيده ، وكذلك السيد إن اخذ مال عبده لا قطع بحال ، ولا قطع على صبي ولا مجنون .

2- وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فثلاثة أوصاف :

( أ‌ ) النصاب

( ب‌ ) أن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه .

( ج ) ألا يكون للسارق فيه ملك كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره .

3- وأما ما يعتبر في موضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق .

وجملة القول فيه : أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ، فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا .

والقبر والمسجد حرز لما فيهما ، والخزانة في مكاتب الناس- أو الحكومة- حرز لما فيها ، وظهور الدواب حرز لما تحمل {[233]} .

فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا . والخطاب هنا لولاة الأمر الذين يرجع إليهم تنفيذ الأحكام والحدود . وجمع سبحانه اليد فقال : أيديهما . ولم يقل : يديهما بالتثنية ؛ لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية .

قال القرطبي :

قوله تعالى : جَزَاء بِمَا كَسَبَا . مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا ، وكذا : نَكَالاً مِّنَ اللّهِ . اه وفيه بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت .

أي : اقطعوا أيديهما جزءا لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيئ وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما نكالا . أي : عبرة وزجرا- من الله تعالى- لغيرهما ؛ حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة .

يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا ، أي : صنع به صنيعا يحذر غيره .

وسميت هذه العقوبة نكالا ؛ لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها ؛ حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .

قال الأصمعي : قرأت هذه الآية ، وإلى جنبي أعرابي فقلت : والله غفور رحيم ، سهوا ؛ فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ قلت : كلام الله ، قال : أعد ؛ فأعدت : والله غفور رحيم ، فقال : ليس كلام الله ؛ فتنبهت فقلت : والله عزيز حكيم . فقال : أصبت هذا كلام الله ، فقلت له : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علمت أنب أخطأت ؟ فقال : يا هذا عزيز حكيم . فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع {[234]} فقد فهم الأعرابي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضي المغفرة والرحمة ، وأن الله تعالى- يضع كل اسم موضعه في كتابه .


[225]:انظر تفسير القرطبي 6/175.
[226]:أنت ومالك لأبيك: رواه ابن ماجه في التجارات (2291) من حديث جابر بن عبد الله أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري ورواه ابن ماجه في التجارات (2292) وأحمد في مسنده (6863) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي اجتاح مالي فقال أنت ومالك لأبيك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم. ورواه الشافعي في مسنده (639) من حديث محمد بن منكدر: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي مالا وعيالا وأنه يريدأن يأخذ مالي ويطعمه عياله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" قال الزيلعي في نصب الراية: قال ابن القطان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقال في التنقيح": ويوسف بن اسحاق من الثقات المخرج لهم في "الصحيحين" قال: وقول الدراقطني فيه: غريب تفرد به عيسى عن يوسف لا يضره، فإن غرابة الحديث والتفرد به لا يخرجه عن الصحة. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر في تخريج الهداية: رجاله ثقات لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام عن ابن المنكدر مرسلا وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر (طب) وكذا البزار (عن سمرة) بن جندب قال الهيثمي: فيه إبراهيم بن عبد الحميد ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وقال ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا معاوية بن يحيي وهو ضعيف وأما حديث سمرة فإن العقبلي بعد تخريجه عنه قال: وفي الباب أحاديث فيها لين وبعضها أحسن من بعض وقال البيهقي: روى من وجوه موصولا لا يثبت مثلها وقال ابن حجر في موضع آخر قد أشار البخاري في الصحيح إلى تضعيف هذا الحديث.
[227]:تقطع يد السارق في ربع دينار: رواه البخاري في الحدود (6791،6790،6789) ومسلم في الحدود (1684) ومالك في الموطأ كتاب الحدود (1575) وأبو داود في الحدود (4384،4383) والترمذي في الحدود (1445) والنسائي في قطع السارق (4914) وابن ماجه في الحدود (2585) والدرامي في الحدود (2300) و أحمد في مسنده (23559) من حديث عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا.
[228]:ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم: رواه الترمذي في الحدود (1424) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العقوبة. قلت: في إسناده يزيد بن زياد. قال الزيلعي في نصب الراية: ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في "مختصره" فقال: يزيد بن زياد، قال فيه النسائي: متروك، انتهى و قال الترميدي في"علله الكبير" : قال محمد ابن اسماعيل : يزيد بن زياد منكر الحديث، ذاهب ، انتهى. ورواه الدارقطني ،ثم البيهقي في "سننيهما" مرفوعا، وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب. قلت وذكره أيضا من حديث علي وقال:أ ما حديث علي: فأخرجه الدارقطني في" سننه" (2) عن مختار التمار عن أبي مطر عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ادرءوا الحدود "،انتهى ومختار التمار ضعيف.
[229]:زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
[230]:تفسير القرطبي6/172.
[231]:لا قطع على خائن: رواه أبو داود في الحدود (4392) والترمذي في الحدود (1448) والنسائي في قطع السارق (4971) وابن ماجه في الحدود (2591) والدرامي في الحدود (2310) وأحمد في مسنده (14652) من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس. قال المناوي في الفيض: قال ابن حجر رواته ثقات إلا انه معلول بين ذلك ابو حاتم والنسائي. قال الزيلعي في نصب الراية: وسكت عنه عبد الحق في "أحكامه" وابن القطان بعده، فهو صحيح عندهما وفرقة أبو داود، فرواه بهذا الإسناد، ليس على المنهي قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا، وقال بهذا الإسناد: ليس على الخائن، ولا على المختلس قطع انتهى، قال أبو داود: وهذان الحديثان لم يسمعهما ابن جريج من أبي الزبير.
[232]:أتشفع في حد من حدود الله: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ح 3475 وفي حدود ح 6788،و مسلم في الحدود ح 1688، والترمذي في الحدود ح 1430 ،والنسائي في قطع السارق ح 4902،4899، وأبو داود في الحدود ح 4373 ،وابن ماجه في الحدود 2547 ،والدرامي في الحدود ح 2302.
[233]:تفسير القرطبي 6/169 بتصرف واختصار شديد، وتنظيم.
[234]:تفسير المنار 6/384 زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2/354.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (38)

قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ، أراد به أيمانهما ، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . وجملة الحكم : أن من سرق نصاباً من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الكوع ، ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم ، حكي عن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل ، وعامة العلماء على خلافه . واختلفوا في القدر الذي يقطع فيه ، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار ، فإن سرق ربع دينار أو متاعاً قيمته ربع دينار يقطع ، وهو قول أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، والشافعي ، رحمهم الله ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن عيينة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( القطع في ربع دينار فصاعدا ) .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم . وروي عن عثمان أنه قطع سارقاً في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً بدينار . وهذا قول مالك رحمه الله تعالى ، أنه يقطع في ثلاثة دراهم . وذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار ، أو عشرة دراهم ، ويروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي . وقال قوم : لا يقطع إلا في خمسة دراهم . يروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وبه قال ابن أبي ليلى ، أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عمر بن حفص بن غياث ، أخبرني أبي ، أنا الأعمش قال : سمعت أبا صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لعن الله السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ) .

وقال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم ، ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل ، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش لحديث عائشة رضي الله عنها " وإذا سرق شيئاً من غير حرز كثمر في حائط لا حارس له ، أو حيوان في برية لا حافظ له ، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه " . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا قطع في ثمر معلق ، ولا في حريسة جبل ، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " .

وروي عن ابن جريج ، عن الزبير ، عن جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس على خائن ، أو منتهب ، ولا مختلس ، قطع . و إذا سرق مالاً له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده ، أو الولد يسرق من مال والده ، أو الوالد يسرق من مال ولده ، أو أحد الشريكين يسرق من المال المشترك شيئاً ، لا قطع عليه . وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع ، ثم إذا سرق ثانياً تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم ) .

واختلفوا فيما إذا سرق ثالثاً ، فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى ، وإذا سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى ، ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس حتى تظهر توبته ، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو قول قتادة ، وبه قال مالك ، والشافعي ، لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق : ( إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ، ثم إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ) .

وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثاً بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع ، بل يحبس ، وروى ذلك عن علي رضي الله عنه ، وقال : إني لأستحي أن لا أدع له يداً يستنجي بها ، ولا رجلاً يمشي بها ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ، وبه قال الأوزاعي ، وأحمد ، وأصحاب الرأي .

قوله تعالى : { جزاءً بما كسبا } ، نصب على الحال والقطع ومثله .

قوله تعالى : { نكالاً } ، أي عقوبة .

قوله تعالى : { من الله والله عزيز حكيم } .