تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر ما جزاهم عليه . وما أعد لهم وله ولأتباعه ، ونفى ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب الظالم ، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم { ما لهذا الرسول } ونحوه ، فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم البشري ، وأتبعه سره فقال زيادة في التسلية والتعزية والتأسية : { وما أرسلنا } بما لنا من العظمة . ولما كان المراد العموم ، أعراه من الجار فقال : { قبلك } أي يا محمد أحداً { من المرسلين إلا } وحالهم { إنهم ليأكلون الطعام } كما تأكل ويأكل غيرك من الآدميين { ويمشون في الأسواق } كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش كحال سائر الآدميين ، وهم يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم ، وهذا تأكيد من الله تعالى فإنهم لا يكذبونه عليه الصلاة والسلام ، ولا يعتقدون فيه نقصاً ، وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك ، وإقامة للحجة على عنادهم ، وأنهم إنما يقولونه وأمثاله لما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم { وجعلنا } أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة { بعضكم لبعض فتنة } بأن جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالرسالة ، وهذا ملكاً وخصصناه بالدنيا ، وهذا فقيراً وحرمناه الدنيا ، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة ، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه ، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة ، فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا ، وجعلته ممن يختار العبودية والكفاف بطلب المعاش في الأسواق ، لأبتليكم في الطاعة له خالصة ، فإني لو أعطيته الدنيا ، وجعلته ممن يختار الملك ، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعاً في الدنيا ، وهذا معنى { أتصبرون } فإنه علة ما قبله ، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا ؟ كما كنا نعلمه علم غيب ، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم ، وفيها مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر ، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافاً للتهديد .

ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصاً في العلم ، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم ، وخلاصتهم وزينهم : محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه ، وكان امتحانهم بجعله نبياً عبداً مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة ، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال صارفاً وجه الخطاب إليه : { وكان ربك } أي المحسن إليك إحساناً لم يحسنه إلى أحد سواك ، لا سيما بجعلك نبياً عبداً { بصيراً* } بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان ، لم يفده ذلك علماً لم يكن ، وهو سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك ، فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير ، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير ، وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم{ ولتعلمن نبأه بعد حين }[ ص : 88 ] .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا} (20)

قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ( 20 ) } .

جملة ( إلا أنهم ليأكلون ) في محل نصب صفة لمفعول محذوف تقديره : وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين . وقيل : الجملة في محل نصب على الحال . والتقدير : إلا وإنهم . فقدرت معها الواو بيانا للحالية .

وقد كسرت إن ، لوجود اللم في خبرها{[3310]} .

وذلك احتجاج على المشركين الخاطئين بزعمهم أن الرسول لا يأكل كما يأكلون ولا يمشي في الأسواق متكسبا متجرا كما يمشون . وهو كذلك تسلية من الله لرسوله ( ص ) ؛ إذ يخبره أن النبيين الذين أرسلهم من قبله لهداية الناس ما كانوا إلا بشرا يأكلون الطعام كما يأكل الناس ، ويمشون في الأسواق طلبا للرزق والمعاش كما يفعل الناس . فليس في ذلك ما يثير التعجب أو الاستهجان . فالنبيون من جنس البشر يأكلون كما يأكلون وينامون كما ينامون ، ويموتون كما يموتون . لكنهم مع صفاتهم الآدمية هذه ؛ فإنهم أناس أفذاذ مصطفون مميزون بخصائص جليلة فيها من عظيم السمات النفسية والروحية والخلقية ما لا يبلغ دون معشاره البشر .

إن النبيين والمرسلين قد أوتوا من حظوظ الكمال الخلقي والخلقي ، والجمال الروحي والفطري ما يسمو بهم فوق مستويات الناس كافة ؛ فهم بذلك أخيار وأبرار وأطهار قد اصطفاهم الله على العالمين . بما بث في كينونتهم وفطرتهم من رسوخ الإيمان والتقوى ، وجلال الطبع الرهيف الرفاف ، بما ينبغي القطع في يقين أن هؤلاء نخبة مختارة مصطفاة للوحي والرسالة .

قوله : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الفتنة ، البلاء والمحنة . وهذا تصبير لرسول الله ( ص ) على ما قاله المشركون واستهجنوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد أن احتج الله عليهم بسائر المرسلين ؛ إذا كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وهم مرسلون من ربهم لهداية الناس .

على أن الحقيقة الراسخة هنا هي جعل الله الناس بعضهم لبعض فتنة . فقد ابتلى بعضهم ببعض . كما ابتلى أو امتحن الفقراء بالأغنياء ، والمرضى بالأصحاء ، والأغنياء بأولي الفطانة الأذكياء ، ابتلى العلماء بالجهلاء ، مثلما ابتلى النبيين المرسلين الذين بعثهم الله لهداية الناس ، ولإخراجهم من ظلام الباطل والضلال إلى نور الحق واليقين والفضيلة –ابتلاهم الله بالذين أرسلوا إليهم من الأمم الضالة الفاسقة الذين اسكتبروا وأعرضوا عن دين الله فناصبوا رسلهم العداء وآذوهم شر إيذاء ، ووضعوا في طريقهم الأشواك والمعوقات . لا جرم أن ذلك ابتلاء من الله امتحن به عباده الأبرار من النبيين والمرسلين .

وكذلك الذين يدعون إلى الله مخلصين على بصيرة ؛ فإنهم يصطدمون غالبا في طريقهم بالمثبطين المعوقين من الناس الذي يروق لهم العيش في الفسق والفحش والرذيلة ، والذين لا يرغبون لمنهج الله أن يشيع أو يذيع . أولئك شرار الناس الذين مردت نفوسهم على الهوى والباطل والتلبس بالكفر والعصيان ، وقد ابتلى الله بهم المصلحين من المسلمين الذين يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وبذلك فإن الناس ، بعضهم لبعض فتنة ، فما من أحد في الغالب إلا هو فتنة لغيره . القوي فتنة للضعيف ، والطيب فتنة للخبيث ، والنشيط فتنة للعاجز المتثاقل ، والمحسود فتنة للحسود . فكل مفتون بغيره . والمفلح من نجاه الله من الفتنة ودفع عنه أذى الأشرار وجعله من الصابرين الأخيار . جعلنا الله بفضله ورحمته منهم .

قوله : ( أتصبرون ) الاستفهام بمعنى الأمر ؛ أي اصبروا . أو أتصبرون على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا اغتماما ؟ على أن هذه الجملة الاستفهامية ذات الإيقاع الخاص المؤثر ، تتضمن من التحريض على الصبر ما يكشف عن الأهمية البالغة لهذه الخصلة الفضلى وهي الصبر . ويكشف عن درجة التكريم التي يحتلها الصابرون على البلاء والمحن من أذى الأشرار ، وسفه الجاهلين ، وحسد الحاسدين ، ونحو ذلك من ضروب المحن .

قوله : ( وكان ربك بصيرا ) الله عليم بأحوال الناس وبما يستكن في قلوبهم من مختلف الطوايا والمقاصد . وعليم بالذين يصبرون على البلايا والمحن مما يكيده لهم الظالمون على اختلاف صفاتهم ، ويعلم الذين لا يصبرون فيجزعون عند مواجهة الفتن .


[3310]:- الدر المصون جـ8 ص 469.