{ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ 40 وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ 41 وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَ نَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ 42 قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ 43 وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 44 } .
وفار التنور : أي : نبع الماء وتدفق ، من التنور الذي يخبز فيه الخبز ، اتفقت فيه لغة العرب والعجم ، ويعبر عنه اليوم بالفرن . وقيل : وجه الأرض .
وأهلك : أهل بيت الرجل : نساؤه ، وأولاده ، وأزواجهم .
إلا من سبق عليه القول : أي : منهم بالإهلاك ، والإغراق ، وهو ولده كنعان ، وزوجة نوح عليه السلام ، وأخذ معه سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم الثلاثة .
إلا قليل : قيل : كانوا ثمانين ، نصفهم رجال ، ونصفهم نساء .
{ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ . . . } الآية .
أي : حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك للكافرين ؛ تتابع المطر من السماء ، ونبع من وجه الأرض ، أو من موقد الخبر ، وكان ذلك علامة للمؤمنين على بدء الطوفان .
وقال تعالى في سورة القمر : { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ } . ( القمر : 10 14 ) .
كان بدء الطوفان بقدرة الله ، مظهرا من مظاهر عظمته وقدرته ؛ فقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى .
جاء في المصحف المفسر للأستاذ محمد فريد وجدي :
نقول : { فار التنور } . معناه الحرفي : نبع التنور ، قال المفسرون : ومعناه : أنه نبع الماء من التنور ؛ إعجاز . وأنا أرى أن { فار التنور } . من الكنايات الكثير أمثالها في لغتنا ، مثل : طفح الكيل ، وطفّ الصوع ، وحمى الوطيس ، وفاض الإناء ؛ وكلها تدل على بلوغ الأمر غاية شدته وقرب انفجاره . 37 ا ه .
وعن ابن عباس : التنور وجه الأرض . أي : صارت الأرض عيونا ؛ حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء .
{ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } .
أي : قلنا لنوح : احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين اثنين ، ذكرا وأنثى ؛ للحفاظ على أصل النوع الحيواني .
{ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ } . أي : واحمل فيها أهل بيتك ذكرانا وإناثا .
{ إلا من سبق عليه القول } . بأنهم من المغرقين بسبب ظلمهم ، وهم : زوجة نوح ، و ابنها منه : يام ، أو كنعان ؛ وخذ معك كل من آمن من الرجال والنساء .
{ وما آمن معه إلا قليل } . ولم يؤمن بنوح إلا عدد قليل من الرجال والنساء ، رغم طول المدة التي مكثها فيهم ، فقد مكث يدعوهم إلى الإيمان تسعمائة وخمسين عاما ؛ وشاء الله ألا تتفتح قلوب أكثرهم لدعوة الإيمان ؛ فآمن به عدد قليل ، قيل : كانوا ستة أو ثمانية رجال ونساؤهم .
وقال ابن عباس : كانوا ثمانين نفسا ، منهم نساؤهم . ولم ير الحق سبحانه وتعالى حاجة لبيان العدد ، لقلتهم التي لا تستحق الذكر ، ولم يبين أنواع الحيوانات المحمولة ، ولا كيفية حملها فذلك متروك للبشر .
{ حتى إذا جاء أمرنا } أي وقت إرادتنا لإهلاكهم{[39246]} { وفار } أي غلا وطفح { التنور } {[39247]}وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد أنه{[39248]} الحقيقي الذي يخبز فيه ، و{[39249]} هذا هو{[39250]} الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل ، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما{[39251]} قاله أهل الأصول { قلنا } بعظمتنا{[39252]} { احمل } ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء - كما قاله أهل التفسير - لئلا تمتلىء من شدة الأمطار ، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال : { فيها } أي السفينة { من كل زوجين } من الحيوانات ، {[39253]}والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به{[39254]} { اثنين } ذكراً وأنثى { وأهلك } أي احملهم ، والأهل : العيال { إلا من سبق } غالباً { عليه القول } بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان { ومن } {[39255]}أي واحمل فيها من{[39256]} { آمن } قال أبو حيان{[39257]} : وكانت السفينة ثلاث طبقات : السفلى للوحوش ، والوسطى للطعام والشراب ، والعليا له ولمن آمن معه ؛ ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال : { وما } أي والحال أنه ما { آمن } كائناً { معه } أي بإنذاره { إلا قليل* } بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار ؛ والتنور - قال أبو حيان : {[39258]}وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي ، وقال ثعلب : وزنه تفعول من النور ، وأصله تنوور ، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها ، والزوج قد كثر على الرجل الذي له امرأة ؛ قال الرماني : وقال الحسن في { ومن كل شيء خلقنا زوجين }{[39259]}[ الذاريات : 49 ] : السماء زوج والأرض زوج ، والشتاء زوج ، والصيف زوج ، والليل زوج ، والنهار زوج ، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء ، ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن كان في السفينة ثمانية : نوح وامرأة له ، وثلاثة بنين : سام وحام ويافث ، ونساؤهم ؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.