88 - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ .
فاستجاب الله دعاء يونس ، وفرج عنه الكرب ، وأمر الحوت أن يحافظ عليه وأن يطرحه في العراء ، وحافظ الله عليه ، وأرسله مرة أخرى إلى قومه ، فآمنوا ؛ فأنقذهم الله من العذاب .
قال تعالى : فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ . ( يونس : 98 ) .
وقد ورد في سنن أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : دعوة أخي ذي النون في بطن الحوت : لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له )28 .
وقد ورد في القرآن الكريم : قصة يونس في عدد من السور قال تعالى : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . ( القلم : 48 – 50 ) .
وقال تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى ماِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ . ( الصافات : 139 – 148 ) .
وروى البخاري ومسلم وأبو داود . عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تفضلوني على يونس ابن متى ؛ فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه ، وهو في قعر البحر في بطن الحوت )29 .
وهذا دليل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس في جهة معينة ، وأن المؤمن إذا لجأ إلى الله ودعاه ؛ استجاب الله دعاءه ، وأن على المسلم إذا وقع في كرب أو عسر ، أو شدة أو هم ، أن يردد دعاء يونس عليه السلام : لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .
لأن الله وعد بإجابة دعاء المؤمن ، إذا قال هذا الدعاء صادقا متضرعا ، قال تعالى :
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ .
أي : استجبنا دعاء يونس ، ونجيناه من الغم ، فقد فرجنا كربه ، وأمرنا الحوت أن يلفظه على الشاطئ ، وأنبت الله عليه شجرة القرع .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب القرع ويقول : ( إنها شجرة أخي يونس ، وإنها تشد قلب الحزين ) .
وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ .
أي : كما نجينا يونس من الغم وهو الحزن ، ننجي كل مؤمن إذا لجأ إلينا ودعانا مخلصا قانتا متبتلا .
ولذلك قال تعالى {[51600]} مسبباً عن دعائه{[51601]} : { فاستجبنا له } أي أوجدنا الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقاً{[51602]} لظنه أن لن نعاقبه " أنا عند ظن عبدي بي " والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام{[51603]} الذكر وصدق الإلتجاء{[51604]} ، وقال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار ، وهذا شرط كل دعاء - انتهى .
ولما كان التقدير : فخلصناه مما كان فيه ، عطف عليه {[51605]} قوله ، تنبيهاً{[51606]} {[51607]} على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة{[51608]} : { ونجيناه } {[51609]} أي بالعظمة البالغة{[51610]} تنجية عظيمة ، وأنجيناه إنجاء عظيماً{[51611]} { من الغم } الذي كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره ، قال الرازي : وأصل الغم الغطاء على القلب - انتهى . فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع .
ولما كان هذا وما تقدمه أموراً غريبة ، أشار إلى القدرة على أمثالها من جميع الممكنات ، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله : { وكذلك } أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية{[51612]} { ننجي } {[51613]} أي بمثل ذلك العظمة{[51614]} { المؤمنين* } إنجاء عظيماً وننجيهم تنجية عظيمة ، {[51615]} ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانياً ، وذكر الإنجاء ثانياً يدل على مثله أولاً وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - بما أشار إليه بحديث " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " " يبتلى المرء على قدر دينه " فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من العجين ، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم رضي الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه{[51616]} ، أو يكون المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته{[51617]} ، فإن المؤمن متى حصلت له هفوة{[51618]} راجع ربه فنادى {[51619]} معترفاً بذنبه{[51620]} هذا النداء{[51621]} ، ولاسيما إن مسه{[51622]} بسوط الأدب ، فبادر إليه الهرب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.